طريقي

نصف الشعراء الذين أحبهم هي التي دلتني عليهم. كثير من الأغنيات والكتب والفنون. درستني الترتيب خطوة خطوة. هدأت من غروري وفي ذات الوقت رفعت من ثقتي بنفسي. جعلتني أحب الشاي أكثر، أحب أرض الجنوب وقصائد الأولين والريحان والفلّ. زرعت فيّ أساسيات المنطق، حسن التعامل مع الآخرين وكيفية التعاطي مع الخيبات والأوقات الصعبة.

هل كنت سأصل إلى كل ذلك من غيرها؟ ربما، هو احتمال وارد. لكنها كانت الطريق. إذا سلكت طريقاً أوصلك للرضا والإتزال فإنك لا تسأل إذا ما كان هناك طرقاً أخرى. أحببت طريقي ولن أسأل

قياسي

سرقة في مقبرة

خرج من المسجد بعد أن أدى صلاة الجنازة على صديقه المقرب. كان خالد أعز أصدقاءه وقد ألمه خبر موته المفاجئ. حين خرج من المسجد لم يجد نعليه. بحث كثيرًا بلا فائدة. لاحظ أن حَمَلة الجنازة قد انطلقوا بسرعة وخفة ملتزمين بحديث يحث على المسارعة في دفن الموتى، وهو كالمقروص يبحث ويقلب الأحذية.

زاد توتره وهو يوازن بين اهتمامه التافه بحذائه ورغبته الشديدة في المشاركة في كل تفاصيل تشييع صديقه المحبوب. بدت مهمته في البحث مستحيلة، الأحذية بالآلاف، معظمها باللونين الأسود والبني.

“لا فائدة من مواصلة البحث” قال لنفسه، قبل أن يغادر المكان حافيًا.

لم يتمكن من اللحاق بهم قبل أن يضعوا الجنازة في السيارة، عاد أدراجه مشيا على الأرض الرخامية لساحة المسجد الخارجية، بدا له أنه سيشم قريبا رائحة شواء تأتي من أسفل قدميه وهي تلتصق بالأرضية المشتعلة.

الطريق بين المسجد والمقبرة مزحوم كالعادة ظهر كل يوم جمعة. عشرات الجنائز في سيارات مجهزة يتبعها مئات المشيعين، كلٌ يرى أن له الحق في السبق، يتجاوزون بعضهم البعض ويتشاتمون بتفاهم يحافظ على الحد الأدنى من احترام أرواح المتوفين وأحزان أهاليهم. أما صاحبنا فقد كان في شغل عن كل ذلك بمحاولة التذكر أين وضع حذاءه قبل أن يدخل المسجد، هل وضعها في الأدراج المخصصة كما تعوّد حين يكون في مزاج يسمح له بالترتيب، أم أنه دخل المسجد على عجل ونزعها كيفما اتفق. حين تنبهه أصوات السيارات وصخب العابرين يرجع للتفكير في صديقه خالد، ويتنهد بحرقة.

كانت الشمس حارقة على عادتها في هذا الوقت من الصيف، لكن الناس لم يتعودوا على الخروج لغير الضرورة. وتشييع رجل محبوب كان أمرا لا يمكن التأخر عنه. هكذا فكر وهو يحاول طرد الفكرة التي اجتاحته فجأة بأن عدم قدومه إلى هنا كان أمرا يستحق التفكير.

ترجل من سيارته بعد أن ركنها في أقرب موقف متاح، مشى سابحًا في أمواج المشيعين الخاشعين في سكينة وترقب، يتجاوز القبور المفتوحة، وينبه الماشين وراءه كما نبهه الماشون قبله. كل شيء يبدو وكأنه تم بتنسيق وتفاهم كبيرين.

توزع الناس على قبور مفقوديهم بعد تشتت وحيرة. وحين وجد قبر صاحبه حاول الاقتراب والمشاركة فعليا في عملية الدفن لكن أقارب المتوفى ومن سبق من معارفه جعلوا الأمر أشبه بالمستحيل. ابتعد واكتفى بالمشاهدة وهو يدافع حزنه غارقاً في ذكرياتهما معا.

اجتاحته مخيلته ذكرياتهما القديمة. تذكر حين كان يسخر من اسم صديقه. خالد؛ ياله من اسم كاذب. “ستموت يومًا، لن تكون خالدًا” وكان خالد يرد عليه بجملة واحدة “هه، أنا لن أموت”. لكنه مات، مات أسرع مما توقع واكتملت السخرية.

قطرات العرق تجتاح حاجبيه، كقطرات الندى تسقط عن أوراق شجرة ثابتة. أما رقبته فقد أصبح تجفيفها بالمناديل الورقية نوع من العبث يكرره وهو يعلم ألا فائدة. تأخر الأمر كثيراً، سمع حوارا جانبيا بين رجلين بجواره أحدهما يخبر الآخر عن سر هذا التأخر. لكنه لم يتمكن من فهم ما يقولانه. قرر أن يقترب. أحضر ثلاث علب ماء ووزعها عليهما كذريعة لبدء الحديث. سأل وكأنه يلقي بالسؤال غير حريص على الإجابة، أو كأنه يدلي بتصريح لا يلزم بالضرورة أن يتلقى ردا عليه

“طوّلوا، شكل القبر ما كان جاهز… “

أجابه الرجل وكأنه يحب أن يخبر كل من يقابله بهذه المعلومة التي عرفها بسبب وجوده قبل دقائق في موقع مناسب على حافة القبر

“اللحد كان صغير، والرجال -الله يرحمه- ضخم، اضطروا يحفرون زيادة ويوسعونه”

في هذه الأثناء سمعوا صوتا جهوريا ينادي بين المتجمهرين، أن تنبهوا على ماتحملونه معكم من محافظ نقود وهواتف نقالة.

هز رأسه معترضا، كيف يمكن لأحد أن يسرق في مكان كهذا. أين حرمة الأموات؟ أين احترام حزن الحزانى والمكلومين؟ لكنه -في المقابل- فكر أيضا أنه لم يكن يحمل شيئا ذا قيمة ليتفقده أو يهتم به. كما أن هاتفه المتنقل قديم الطراز ولن يرغب عاقل في سرقته. بدا له أن هذا التنبيه لا داعي له من كل الوجوه.

شغله الأمر لدقائق. قرر أخيرا أن يتحسس جيوب ثوبه، اكتشف حينذاك أن حكمه الساخر لم يكن في محله، وأن تنبيه صاحب الصوت الجهوري له مايبرره. كانت محفظة نقوده قد سرقت، وهاتفه أيضاً. جيب ثوبه الجانبي يتدلى وكأنه لسان كلب لاهث.

الشمس تزداد قسوة وحِدة. وقد بدأ يشعر بالدوار. بدا وكأنه في نهاية حلم سيصحو منه بعد قليل، حاول التركيز بأن رش وجهه بالماء، تيقن أخيرا مما رآه، شاب صغير الجسم بين الجموع يتلفّت. رآه يقترب من رجل عجوز غافل. يدلي يده ببطء قبل أن يحرك الموسى بمهارة ويقطع جزءا من ثوب الرجل العجوز، ينجح أخيرا بخفة يد ومهارة فائقين في انتزاع محفظة يبدو أنها صيد ثمين.

كان القوم وقتها قد انتهوا من عملية الدفن، وقد ارتفع صوت والد المتوفى بالشكر لجميع من حضر، ويطلب منهم أن يسامحوا خالدا إن كان قد أخطأ في حق أحد أو ظلمه وفي ذات الوقت يعلن أن من له عنده ديناً فإنهم مستعدون للجلوس معه وحلّ كل شيء بأسرع وقت ممكن. تبقى الروح معلقة بين السماء والأرض حتى يتم تسديد حقوق الناس عليها.

كان الجمهور قد اختلط من جديد. انتهت عملية الدفن في أغلب القبور في الوقت ذاته. المشاركين في الدفن يبحثون عن الماء ليشربوا ويغسلوا أيديهم، بدأوا في الخروج ولم يكن لهم طريق لمغادرة المقبرة غير هذا. رائحة العرق تكاد تخنق الجميع ولا أحد هنا يمكن لومه، كلهم محبوسون في هذا الصندوق المفتوح حتى ينتهي الأمر.

رجع له الشعور بالدوار. تذكر أنه لم يتناول إفطاره، تمنى لو أنه أكل شيئًا قبل أن يحضر للمقبرة ليتجاوز هذا التعب والحرج. ازداد حرقة وهو يتذكر حذاءه المفقودة، كان يبحث عن شخص ليلومه على كل ماجرى له، والمرحوم خالد لن يكون هذا الشخص بكل تأكيد.

تسلل محاولا الاقتراب من السارق قبل أن يهبط عليه بمهارة وخفة، وضع كفيه بقوة وثبات على كتفي الفتى وأمسكه بشدة. وبينما هو ممسك به والمحيطين يلتفتون حائرين، عثرت قدمه على حجر وسقط، حاول جر الفتى ليسقط معه لكن الأخير تملص بمهارة وهرب.

قام بسرعة دون أن يصرخ أو يحدث أي جلبة وحاول مطاردة الفتى، رغم شكه الكبير في أنه سيلحق به لفارق العمر واللياقة ولوجود أكوام من الناس يجب عليه تجاوزهم. إلا أن ذلك لم يثنه عن مواصلة الجري. لاحظ أن أكثر من شخص بادر بالهرب في ذات اللحظة، وكأن هروب الأول إشارة ينتظرها الآخرون. ثلاث شبان صغار العمر والجسم انطلقوا في ذات اللحظة. ولأن صاحبنا قد وصل به التعب والسأم حده الأقصى فقد توقف، فكر لثوان في الموقف. وضع شماغه على وجهه ثم لحق بهم، عابرا طريق الخروج من المقبرة.

اصطف إخوة الميت لتقبل التعازي. حين لاحظ أحدهم الصديق المقرب لأخيهم المتوفى مغطيا وجهه خارجا من المقبرة وهو يهرول. ابتسم ابتسامة جافة وهو يفكر، يالهذا الصديق الوفي، لا شك أن فجيعته بأخينا أكثر من فجيعتنا، لقد انهار ولم يتمالك نفسه، لم يتمكن من الانتظار بعد الدفن ولو لدقيقة يصافحنا فيها ويقدم واجب العزاء.

قياسي

“قوول المغرب”

– ١ –

لا أحد يأتي إلى حارة الميادين في خميس مشيط بفريق كرة قدم ويهزمهم، لم يحدث هذا من قبل، ولن يحدث هذا في المنظور القريب. ولهذا عدة أسباب، أولها أن لديهم فريق متكامل، متفاهم، يحاول الحفاظ على سمعته. لديهم أفضل حارس مرمى في كل الحواري، لديهم صانع لعب تتسابق على ضمّه أندية الجنوب فضلا عن إشاعات بأن أندية كبرى ترسل مناديب للتوقيع معه، بل إن إشاعة ربطته بنادي الإتحاد في جدة وأنه سيلعب لهم في الموسم القادم. أما المهاجم فهو لا يمزح، لا يضيع الوقت، ولا يبقي الكرة بين قدميه أكثر مما يجب. ست إلى سبع ثوان هي كل ما يحتاجه لتكون الكرة بين يدي الحارس الغاضب بعد أن يخرجها من شباكه وهو يشتم زملاءه المدافعين.

أما نحن، فريقنا أقصد، فقد كنا مجموعة من الهواة. صحيح أن الجميع كانوا هواة، ولكن عند الإشارة للفريقين في ذات الجملة، فريقنا وفريق فريق حارة الميادين، فإنه يتوجب التأكيد على أننا هواة فعلًا. كنا نجتمع كل يوم بعد صلاة العصر ونلعب في الزرع الأعلى حيث يسمح لنا صاحبه الطيب تكرمًا بعد أن طردنا الجميع. للقرية قوانين لا تفهمها المدن. يمكن أن يكون في المدينة ملعب حواري ثابت معلوم المكان في قطعة أرض مهملة أو مؤجرة لمدة، أما القرية فلا ضمانة مؤكدة. للزراعة أولوية، ولأصحاب الحقول أحقية التصرف فيها ولا يلامون، فإذا ماقرر صاحب الأرض أن يستخدم زرعه فليس لنا خيار غير البحث عن غيره، نتنقل حاملين عوارض أهدافنا الخشبية، كرتنا التي لم تعد كروية تماما، وآمالنا المتجددة أن نعيد صناعة اللعبة من جديد.

نعيد في كل مرة تهيئة الملعب بمتعة التجربة الأولى. أعمدة خشبية غير متساوية الطول، خطوط منطقة الجزاء نرسمها بأقدامنا. الخطو بالرِجل اليسرى مع إبقاء اليمنى ملتصقة بالأرض وتسحب بشكل مستقيم، حين يكون الانحناء فاضحًا كنا نضحك ونعيد الكَرّة بعد أن نطمس الخط الأول. هكذا كان ملعب التدريب الخاص بنا، لا ترتيبات زائدة، لا طموحات، ولا نية لخوض  مباريات صغيرة فضلًا عن التفكير في اللعب مع فريق حارة الميادين. الفريق الأشهر، لم يهزمهم من هو أقوى منا وأكثر تنظيمًا. لم يكن الأمر مطروحًا من الأساس.

– ٢ –

نصحني أبي مرة بعد أن فشلت في اكمال سباق لاختراق الضاحية نصيحة رياضية، وهو الذي لم يمارس الرياضة ولا يحبها. قال لي يابني لا تقتحم مجالاً ليس لك، إن كنت لا تستطيع تحمل السباق الطويل الشاق فابحث عن سباق أقصر لتفوز به. كان يكره السباقات عمومًا لأنها تنتهي بفائزٍ واحد. لم يقتنع بفكرة المنافسات على مقعد واحد بنما يخسر البقية. كما أنه لم يكن يحب كرة القدم، لا يفهم لماذا تتحكم صافرة في فم رجل ضئيل الحجم بمجموعة من الرجال الأشداء الغاضبين ثم لا يفعلون شيئا سوى الإذعان. فكرة أن يتملقون له أو يعترضون دون أن يفكر أحدهم في تهشيم وجهه الكريه الصغير لم تكن مفهومة بالنسبة له.

في ليلة لا أزال أذكر تفاصيلها كنا جالسين على أحد الأرصفة، نسرد تواريخ لم نحضرها عن أندية مختلفة ولاعبين نخطئ في نطق أسمائهم، نتفاخر بما لا نعرفه ونتشاتم لأجل من لا يعرفنا، كنا غارقين في حوارنا الذي لا نهاية له حين أتانا الخبر الذي قلب موازيننا وحوّل ليلتنا لاجتماع طارئ. فريق الميادين يريد أن يلعب مباراة ضدنا. والسبب أن الفريق الذي يفترض أن يلاعبه في اليوم التالي قد توفي اثنين من لاعبيه بحادث مروري واعتذر بقية الفريق عن الحضور. كنا الخطة البديلة. وكان أن وافقنا على التحدي.

– ٣ –

حضرنا للموقع في وقت مبكر. كان الجو حارًا رغم أنهم قد أتموا التجهيزات اللازمة. أحضروا من يرش الملعب بالماء ليرطب المكان ويثبت التراب حين نبدأ اللعب. إلا أن ذلك لم يخفف من حرارة الأجواء ولا من ارتفاع الغبار بفعل وقع الأقدام.

تصافحنا بدون ود، وبدأت المباراة التي حفظها تاريخ المنطقة وصارت حكاية كل لسان. البداية أشبه ماتكون بمسرحية هزلية، يتبادلون النكات فيما بينهم ضاحكين بينما يتبادلون الكرة بخفة ومهارة، ونحن نركض وراءهم بجدية اليائسين وغضبهم. متجهمين لا نكاد نتبادل الحديث إلا لتبادل اللوم والشتيمة. نرتكب الأخطاء ضدهم فلا يغضبون تفضلًا، ويسجلون الأهداف علينا فلا نكترث لضعفنا أمامهم ولا غرابة. انتهى الشوط الأول بأربعة أهداف نظيفة.

في الشوط الثاني كان هناك نوع من التراخي من قبلهم، كأنهم اتفقوا على أننا لا نستحق التعب، أو أنهم فعلوا ذلك بدافع من الشفقة. أظن أن للشيخ الكبير الجالس على دكة البدلاء دور في الأمر، رأيته يحادثهم بين الشوطين ويشير بيده أن ارفقوا بهم. أما حين تجرأنا وسجلنا هدفا فقد أثارهم الأمر، وسجلوا ثلاثة أهداف في ثلاث دقائق في إشارة لا تحتاج مزيد إيضاح. كانت المباراة مملة للمتفرجين، سمعنا تعليقات غاضبة لأشخاص يسبون من دعاهم لمشاهدة هذه المباراة التي تشبه التمرين لفريق الميادين. هل تعرف معنى أن يغضب شخص لأنه ضيع وقته في مشاهدة ضعفك وقلة حيلتك؟ رأيت من فريقنا من كان يركض وهو يغالب العبرة من شدة الحزن والشعور بالخزي.

في اللحظة التي وصلنا فيها قمة الندم لأن المباراة صعبة جدًا وهم وصلوا قمة الندم لأن المباراة سهلة جدًا أتت اللحظة التي لم يتوقعها أحد.

صرخ قائد فريقهم موجها حديثه لي، متعمدا أن يسمعه الجميع

“نلعب على قوول المغرب يا شباب؟”

“نلعب على قوول المغرب” لم أتردد في الرد

لا أعلم ما كان دافعه لذلك، ربما كان الملل أو أنه قد أغضبه تراخي زملائه وعدم أخذهم اللعبة بالجدية المطلوبة. كان هو الوحيد الذي يصرخ بجدية ويهتم لتفاصيل اللعبة دون أنه يهتم لعدد الأهداف.

أصابتهم صدمة المفاجأة، يلتفتون لبعضهم البعض بتململ، ينظرون باعتراض للمدرب الجالس على الدكة والذي لم يعد بيده شيء بعد الإعلان، وينظرون إلينا بنظرة فيها نشوء حقد مفهوم قبل أن يقبلوا الأمر على مضض، ويبدأون في أخذ الأمور بجدية واضحة.

جرت العادة أن الفريق الفائز هو من يعلن التحدي، والفريق الخاسر لن يرفضه بطبيعة الحال. أما حين يعلن ويصبح الأمر مطروحا في الملعب فهذا يعني أمرين، الأول أنه لا يستطيع التراجع، والثاني أن النتيجة السابقة لا معنى لها. النتيجة الآن هي التعادل بدون أهداف ومن يسجل هدفا يكون هو الفائز. بالإضافة إلى أن الفريقين لن يغادرا الملعب حتى يُسجل هذا الهدف مهما تأخر، ولو اضطر الفريقين لتأجيل الصلاة واللعب بعد غروب الشمس وهذا مايزيد من أهمية الهدف واقتتال الفريقين لتسجيله. كان قرارا شجاعا منه أن رفع التحدي بهذه الطريقه. كان استهانة منه بفريقنا. على حد علمي لم يفعلوها من قبل، عُرف عنهم فضلا عن قوتهم أنهم يحترمون خصومهم مهما كان مستواهم.

– ٤ –

لم يطل الوقت على بداية التحدي الجديد حتى احتسب لنا الحكم ضربة حرة مباشرة خارج منطقة الجزاء. ثار الجمهور غضبًا وازداد التوتر. بل إن السكاكين والسواطير ارتفعت. كان الجمهور من أبناء الحارة، أكثر من مائتي شخص يرفعون أسلحتهم البيضاء، هدفهم التأكد من أننا يجب أن نخرج خاسرين. ما أشد شجاعة الحكم باحتسابه ذلك الخطأ، في ذلك الوقت، في ذلك المكان، وأمام هؤلاء الشياطين.

غلب علينا الخوف، اقترب مني أكثر من شخص من فريقي وهم يكررون العبارة ذاتها مابين آمر وبين من يطلبني برجاء

“حاول تضيعها، لا تسجل هذا الهدف”

وقفت أشاهد المنظر المهيب، كل العيون تتجه نحوي، مصير العالم اليوم في هذه الحلبة المشحونة مرتبطة باتجاه هذه الكرة. أنظر إليهم يشدني الخوف الطبيعي من العواقب والرغبة في الانتقام من نظرتهم الدونية لنا طوال الوقت. لو سجلت هذا الهدف فإن المباراة ستنتهي بفوزنا. لا يمكنهم التراجع عن تحدي “قوول” المغرب والعودة للنتيجة المسجلة في الواقع. لم يكن الأمر متاحا وجميع من كان في الملعب يعلم ذلك يقينًا، الانتصار سيكون مدويًا وسيخلده تاريخ المنطقة حتى لو جاء بهذه الكيفية. الأخطر من ذلك أننا لن نخرج سالمين من هذه الحارة.

ارتصف أمامي حائط الصد، حارس المرمى يصرخ ويشتمهم مطالبًا بأن يرجعوا إلي اليمين قليلًا. أخذت وقتي كاملًا لأنظر للزاوية. علمت بحسبة بسيطة أن احتمال إحراز الهدف قد ارتفع بعد أن صار مهاجمهم قصير القامة هو الواقف في أقصى يمين حائط الصد. اللاعب الواقف بجواره أطول منه وهو يغطي عن الحارس زاوية الرؤية، وقد كان ينظر لي مشفقا ومرتبكا، كان يريد أن يصرخ بي قائلا “لا تتهور” لم يكن متهورًا ليقولها لي صراحة.

كقناص ماهر، يعلم مايفعله جيدا، كتمت أنفاسي، جعلت شفتي السفلى بين أسناني لأحافظ على تركيزي، تخيلت فرحة الانتصار قبل أن تحدث، ركلت الكرة بظاهر قدمي في المكان المناسب تمامًا، ليس في الأعلى بحيث تنطلق الكرة أرضية ولا في أسفلها فترتفع عاليًا وراء الجماهير.

انطلقت مصحوبة بأمل لم يطل انتظاره. استدارت استدارة ساحرة يطرب الناظر لرؤيتها. ارتطمت بالعارضة العليا قبل أن تنزل لترتطم بالارض وترتفع متعلقة بالشبكة. كان هدفا رائعاً، لو أن أحد اللاعبين العالميين قد سجله لتم حفظه ضمن أجمل أهدافه في مقطع فيديو مع موسيقى حماسية، ولتم التصويت عليه من مدربين ولاعبين لاختياره كهدف الاسبوع أو الشهر أو حتى الموسم. ولارتصف اسمي مع جونينهو وديل بييرو وبيرلو.

لم يكن هناك احتفال، لم يهنئني أحد. تسمرنا في أماكننا واجمين. انطلق عشرات من الشبان الغاضبين يلعنون ويشتمون، كان حكم المباراة أول ضحية للموقف. رأيت الساطور يهوي على رأسه ويشجه وهو يسقط متشبثا بثوب ضاربه. التفّوا حولنا. كانت الضربات تأتي من كل مكان، غاضبين جدًا يائسين جدًا. أهينت كرامتهم على أرضهم وسط منازلهم، على مرأي ومسمع من محبيهم وكارهيهم. لم يكن بحسبانهم أن يأتي مجموعة من الهواة ليهينوهم بهذه الطريقة.

في اليوم التالي كنت على السرير الأبيض، أفكر في لحظات الهدف الذي سجلته، أعيد ركل الكرة بالطريقة ذاتها عشرات المرات في مخيلتي، لا يقطع خيالاتي الماتعة إلا زيارة الممرضة وهي تعطيني حبوبا مهدئة جديدة أو تغير كيس الدم. كان أبي حائرا فقد أعجب بشجاعتي وأشفق علي مما حدث، وفي ذات الوقت أعجب بهم لأنهم لم يذعنوا للهزيمة وإن كانوا مخطئين. ردوا اعتبارهم منا، من فريقهم المستهتر ومن صافرة ذلك الحكم الهزيل.

والآن -بعد ثلاثين سنة من تسجيلي لذلك الهدف- لا يزال يراودني احساس مبهج يوهمني بأني سجلت أجمل هدف في التاريخ. قد زال ألم الضربات التي تلقيتها، زال شعوري بالندم، زال شعوري بالشفقة على حكم المباراة وعلى زملائي في الفريق، زال شعوري برهبة الموقف حين رأيت عشرات الغاضبين يقتحمون الملعب كجيش من الثوار المقهورين. لم يبق إلا استعادتي للحظة الوجوم الأخيرة ما بين ركلي لتلك الكرة وبين تعلقها في سقف شبكة المرمى. لم أندم على أن تخليت منذ ذلك اليوم عن نصيحة والدي بأن لا أشارك في سباق أصعب من أن أنافس فيه على المركز الأول.

قياسي

لا تهمل قلبك ياجمال

١-

لم يكن جمال شخصاً سيئاً كما لا يمكن وضعه في قائمة أحسن الموظفين، كان وسطاً في كل شيء، في عمله، في هيئته، في مستواه الوظيفي وفي خلقه. يجلس في مكتبه المتواضع كل يوم، يعمل بصبر ورتابة وكأنه يخشى أن يختلف عمل اليوم عن غيره. ذات يوم وبينما هو يعمل على إنجاز مهمة روتينية إذ سقط قلبه بين يديه. حدث هذا بطريقة غير مرئية ولا محسوسة، تماماً كما لو أنها خدعة قام بها شخص ماهر في ألعاب الخفة. كان لون القلب بنياً يميل للحمرة وكان دافئاً لزجاً غير أنه لم يشعر بالتقزز وهو يمسكه. استمر ينبض كما لو أنه لم يتحرك من مكانه. أصاب جمال الهلع فزادت نبضات القلب سرعة. يحدث هذه بالطبع للمرة الأولى، يعلم يقيناً أن حدثاً مثل هذا لم يحدث من قبل وكان حائراً لا يدري مايصنع.

كان أصغر حجماً مما توقع، منفصلاً عن الشرايين، قطرات الدم المتجمعة على أطرافه تخثرت ولم تتساقط، لكنه لا يزال ينبض. تحسس صدره ولم يشعر بنبض، كان النبض الوحيد هنا هو الذي بين يديه. وقتها تأكد أن هذا الذي يحمله بين كفيه هو قلبه هو وليس لشخص آخر. أما كيف يتدفق الدم من وإلى القلب فهذا مالم يجد له تفسيراً. تجاوز فكرة أنه سيحدّث الآخرين بالأمر ولن يصدقوه، فهو خائف -بطبيعة الحال- أن يتوقف هذا القلب النابض أمامه فيموت. أصابه دوار شديد لكنه تمالك نفسه.

قرر أن يغادر المكتب. حمل قلبه بحذر وخفة، خبأه مستخدماً طرفي شماغه ومشى خارجاً. كلما لوح له أحد أو حاول مصافحته تجاوزه معتذراً بأي عذر يخلصه من حرج الموقف. حين تجاوز الباب الخارجي للمبنى بدأ بالركض، زادت نبضات القلب من جديد، ولكنه فهم أن ازدياد سرعة النبض هذه طبيعية بسبب الجهد البدنيّ فاستمر في الركض إلى سيارته، قادها حتى وصل إلى شقته. دخل المبنى مسرعاً وهو يتلفت حذر أن يلقى أحد الجيران.

٢-
وضع قلبه على الطاولة وابتعد قليلاً، جلس متفكراً في الأمر. لم يوصله عقله لأسباب ما يحدث له ولا لما يجب عليه فعله. في النهاية قرر أن لا يخبر أحداً بالأمر وأن يتعامل مع الوضع بما يقدر عليه حتى يجد تفسيراً منطقياً، وربما يجد من يشاركه الحالة.

بدأ في اختبارات بديهية لقلبه المفصول، يقيس المسافة التي يمكنه الابتعاد فيها عنه دون أن يؤثر ذلك على عمله. وضعه على الطاولة وابتعد عنه لمسافة متر، مترين، ثلاثة.. كان نبضه مستمراً كما هو، زاد تسارعه زيادة بسيطة بسبب الرهبة لكن مالبث أن عاد إلى رتمه الطبيعي. زاد المسافة مبتعداً ولم يشعر بتعب أو وخز أو أي شيء يثير قلقه، حين تأكد أن الأمر لا ضرر منه قرر أن يترك قلبه في شقته كلما خرج منها. كانت فكرته أن يزيد احتمالية نجاته من الموت في حال تعرض صدره لأي نوع من أنواع الحوادث الجسدية، ولعله أحب فكرة المغامرة مادام متأكداً -بحكم التجربة- أنها غير مميتة.

تغيرت حياة جمال بالكامل. بدا وكأنه تحول لشخص آخر. أصبح يعامل الناس بلا مبالاة، توقف عن الاهتمام بالآخرين، بل إنه صار عدوانيا وجشعاً. ينفذ الصفقات التجارية بتحايل وغش دون أن يشعر بوخز ضمير أو إحساس. كان يركل الأطفال الماشين في طريقه بلا رحمة ويشتم الكبار بلا احترام، حتى الفتاة التي طالما أحبها لم يستدع الأمر منه أكثر من نصف يوم حتى فارقها من غير شعور بالندم، غير آبه بنحيبها وتوسلاتها أن يعطيها سبباً واضحاً لقراره المفاجئ، قرر سحق كل شيء وكأن حب السنين الماضية بينهما لم يكن.

في المقابل كانت أحقاده وحسده لمن حوله قد زال. زال تماماً، والأشخاص الذين طالما كره وجودهم ولم يكلمهم من سنوات انتهت عداوته معهم فجأة وهذا ما زاد من حيرة الناس من حوله.

كان يتصرف بتعالٍ وخسة دون أن يشعر. يتصرف وكأنه بلا قلب. هو في حقيقة الأمر لا قلب له ولكن لا أحد يعلم بالأمر غيره. كان الناس يرونه شخصاً متغيراً وحسب. وهذا ماجعلهم يكرهون قربه ويتحاشون التقاطع معه في أي أمر.

٣-

تعود أن يضع قلبه في صندوق محكم الإقفال. يتعهده أحياناً دون أن يشعر بالقلق من أي شيء. الأيام أثبتت أنه لن يموت حتى لو سافر لمدينة أخرى وقلبه رابض في شقته.

في بعض الأيام كان يخرجه ليعبث به، يحاوره، أو يتحسس أطرافه بدافع الفضول. تقوده المغامرة أحياناً لأن يرمي به للسقف قبل يلتقطه ضاحكاً، أو يضعه على طرف النافذة ويمسكه في اللحظة الأخيرة قبل سقوطه. مع مرور الأيام جعله التعود يقلل من اهتمامه بهذا القلب المنفصل. صار ينام ليلاً وهو بجانبه فيسقط من طرف السرير، أو يمشي في الغرفة والقلب مرمي بإهمال على الأرض فيكاد يدوسه بقدمه، وفي أحايين كثيرة كان يخرج من المنزل دون أن يعيده للصندوق المخصص، لاشيء يدعو للقلق مادام باب الشقة مغلقاً.

في يوم من الأيام وبينما كان جمال في إحدى معاركه المصطنعة المستجدة، وكان يصرخ في وجه صديق قديم له. سقط مغشياً على الأرض. حاولوا اسعافه لكن بلا فائدة. نقلوه للمستشفى حيث أعلن الأطباء أنه قد مات لحظة سقوطه وأن سبب الوفاة هو تعرضه لنوبة قلبية. الأطباء لم يعلموا على وجه التأكيد إن كان للرجل قلب داخل تجويفه الصدري أم لا، أو أنهم علموا واختاروا ألا يدخلوا أنفسهم في متاهات علمية ليست لديهم القدرة أو الرغبة على اثباتها. أما سبب وفاته الذي لم يكتشفه أحد فهو أن كلباً قد رأى باب الشقة مفتوحاً ووجد القلب ماثلاً أمامه على الطاولة فأكله.

قياسي

اختلاف لغات  

مجهول الوالدين. أسمر البشرة، من ذوي الاحتياجات الخاصة. يجد صعوبة في التعلم. يعاني بعض الانتكاسات الطبية التي تستدعي تدخل الأطباء باستمرار، لم يمهله وضعه الصحي طويلاً وقد انتقل إلى جوار ربه قبل أن يبلغ الحلم.

لو أنكم أقل حساسية لقلت باختصار يفي بالغرض إن هذا اللقيط الأسود كان معاقاً، محدود الذكاء، معتلاً، وقد مات صغيراً.

قياسي

الأرض المحروقـة

قبل أن ترحل كتبت له عدة رسائل، وزعتها في غرف منزله. على طاولة طعامه، تحت وسادته، وفي أدراج مطبخه. تعمدت ألا تخبئها، جعلتها في أماكن تعرف جيداً أنه سيراها ويكتوي بما فيها. إنها تعرف صاحبها جيداً، تعرف كيف تسعده إن أرادت وتعرف كيف تحيل حياته جحيماً إن اضطرت إلى ذلك. تصرفت كما يتصرف عدو منهزم من معركة أخيرة، زرعت منزله ألغاماً حتى لم يعد المكان آمنا للعيش. في إحدى رسائلها كررت مفردة الكره وكأنه لم تكره غيره:

“لقد كرهتك على دفعات، في البداية كرهت انشغالك عني حين أكون في قمة سعادتي أو أكون منغمسة في سرد حكاية ما، كرهت غيابك الطويل الذي لم أفهمه يوماً، ثم انشغالك المتعمد حين أكون حزينة. توالت الأمور وكأن غيوماً تنقشع بالتتابع لتتبين الحقيقة الواضحة كوضوح الشمس، أني أكرهك.

كرهت لاحقاً رائحتك، رائحتك التي طالما أحببتها وظننت أني لن أعيش براحة وطمأنينة من دونها. كرهت ذوقك، أسلوبك في الحديث وسخريتك المتعالية من الآخرين، كرهت صوتك ووجهك ومشيتك غير المتزنة، كرهت تهندمك المبالغ فيه وكرهت الطريقة التي تنظر بها إليّ، هذه بالذات كنت أكرهها منذ البدء ولكني تجاهلهتا كان تحت سطوة “عين الرضا”. أكرهك -ياعزيزي- ولاشيء سيغير هذه الحقيقة، كف عن التوسل وارسال الرسائل والوساطات. اصرارك اللطيف لا يزيدني إلا مقتاً لك ونفوراً منك“

قياسي

حرب باردة

 أخبرتها أنها جميلة. لم ترد، لم تحمر وجنتاها خجلاً، ولم تلتفت. وقف الزمن على حدة نظرتها تجاهي وكأنها تمتحن صدقي أو تحاول كشف ما أخفيه خلف جملتي التي فاجأتها.
كان لزاماً علي أن أستمر في الكلام ففعلت.. قلت لها إن شعرها يشد انتباهي مع تموّجه حتى أكاد أنسى كل شيء حولي، وأن عينيها تسكراني ببريقهما، وأن ابتسامتها المائلة من غير تعمد تجعلني أردد في رأسي كلمة “لذة” عشرات المرات دون أن أفكر في السبب. كانت ماتزال تنظر إليّ بالحدة ذاتها. وكنت أزداد توتراً.
أخبرتها أنني قلت ماقلت متأثراً بسطوة الحُسن، لم أكن أجاملها، لم أكن أحاول التودد إليها أو التمادي في الغزل، ولم أكن -بطبيعة الحال- أكذب. إنني أحب الجٓمال وأقدّره، أرى أن من واجبي أن أخبر الصادق بأنه محبوب، أن أخبر النقي أنه نادر، وأن أخبر الجميل كم يسعدني النظر إليه.
مر الوقت ونحن في حربنا الباردة، حربنا غير المتكافئة، أجنح فيها للسلم وهي تجنح للتصعيد. نظرتها تزداد ثباتاً وقوة وأنا أزداد توتراً وتلعثماً. لم أملك أمام صمودها وهيبتها إلا أن جمعت مفاتيجي ومحفظتي وانسحبت بلا نية للرجوع. نعم، رفعت راياتي وهربت. الله يقهر الضعف كم يخذلني
قياسي