الأحقاد القديمة أنهكتني

 

– وتسألني بنت الصحراء: مالذي تغير فيك؟
– لاشيء يستحق الذكر، سوى أنني كبرت حتى وصلت إلى المنعطف الأخير قبل الشيخوخة، أفجعني مارأيت هناك قبل أن أعود محملاً بحكمةٍ مخرومة وسنواتٍ أقسمتُ ألا أعيشها. ثم قفزتُ إلى سنٍ متقدم، استوطنت خريف حياتي، تجاوزت سنوات الشباب كما تجاوزتني الطفولة. لا أعلم حقيقة العقبة التي أراها أمامي، أهي الثلاثين أم الستين!.. لافرق فأنا على كل حال مهشّم، ورعشة العظام تراقص جلدي. كان يجب أن استقر أخيراً بعد هذا الصخب المقلق، أنزوي كزعيمٍ سابق أفنى حياته محارباً ومدافعاً عن أهداف غيره، ثم رأى أن يرتاح آخر حياته، يداعب أحفاده وينصحهم بتعالٍ مفتعل، قبل أن يعود لذكريات أفعاله المنفرة بوخزٍ دافئٍ من ضميره.

أنا هنا، أنام على الأريكة التي تعرفين، أتمدد وأتقلص بحسب ضجري وانفعالات ذاكرتي المشحونة، وأوجاعي التي تتردد عليّ بتودد كقطة قذرة. ثم أشكو لك قسوة الأيام. أحكي لك حكاية أشخاصٍ قد ماتوا وشبعوا موتاً، أتوجع على ماعشته معهم من أيام، تؤلمني تلك الصورة الزاهية التي يعطيها لهم الموت. عندنا، حين يغيّب الموت أحداً من الناس يتم تزييف حقائقه المخزية وتضخم محاسنه بشكل يثير الأحقاد المدفونة.

أنهكتني الأحقاد القديمة، قلبي الصغير امتلأ حقداً حتى توسّع. صار كبيراً على الحب، كبيراً على الشفقة، كبيرا على كل الأشياء النبيلة. النتوءات الظاهرة على أطرافه تفضح قسوة انفجاراته. والظلم الذي توارد عليه حتى غمره، ساح في فراغاته كحممِ بركانٍ لا يخمد!. حين يتضخم القلب ليكون حجمه أكبر من حجم الصدر تتكسر الأضلاع، أنا الآن بلا أضلاع، بلا قفص صدري، قلبي العاري ينبض مباشرةً أمام الناس، يعبث به الصغار، ولاشيء يمنع الأوغاد من ركله كل حين. أصبحتُ أكره معظم الناس. لا اشعر بالإعجاب تجاه أحد. أكره الحديث إلى الغرباء. وانتقد بازدراءٍ تصرفات الناس البسيطة، أحاديث الأطفال البريئة وحاجات النساء. عاودتني مجدداً تلك الكوابيس، أرى في مناماتي ثعباناً هائجاً وكلاباً سوداء، وأرى أطفال العفاريت

لاشيء تغير سوى ترميم سور المقبرة ورفعه قليلاً، بعض الأموات لا أثق أن المسافة بيني وبينهم آمنة كفاية
.
.
.
حفظتُ القرآن كاملاً ولكني وقتها لم أكن أصلي، وحين حافظت على صلاتي كنت قد نسيت أكثره. كنت أتصدق من أموالٍ مسروقة، وأخبئ اللعنات والشتائم بين دعواتي لكبار السن بنفاقٍ لايجهلونه، ضعتُ بين ورعٍ لم أصِله وفسقٍ لا أجيده، كنتُ غنياً بما يسمح لي بشراء ثوبٍ جديد كل أسبوع وفقيراً حد الجوع والقهر.

كل القصائد التي كتبتها التفّت عليّ وطوقت عنقي، كل الرسائل التي أرسلتها عاد إليّ رماد حرائقها، كل الأشياء الفاضلة التي فعلتها أصابتها حمى النوايا، وكل الحب الذي أعطيته تم تجاهله بتعمد الخائنين.

كرهت تشبثي بالأشياء التي لاتعود، وتمددي لملامسة الأشياء التي لاتأتي. أريد أن ارتاح، أن أعيش عيشة زاهدٍ في كل شيء، أو فاسقٍ يؤجل توبته كل صباح، مللت التأرجح بين جُبن نواياي الكثيرة وشجاعة الدنيا في مشاحنتي.

إن الحديد حين يحمى عليه يسهل تغييره وتشذيب أطرافه. أنا الآن أشبه بقطعة حديد لم تمسها النار منذ ألف عام. صلدة قاسية لايغيرها الطرق، والمرونة معها ضربٌ من السخرية. طرقتها الدنيا حتى كومتها في أضيق حجم ممكن، شديدة الكثافة بحيث لن يحركها إلا انقسامها، وقد أقسمتُ ألا أنقسم، وكأني بالأيام قد أقسمت أن تدحرجني حتى أتفتت

لاشيء تغير سوى هذا التيه الجديد، والانزلاقات المثيرة للضحك، وللاشمئزاز أيضاً
.
.
.
عشت حياتي حائراً أترقب. أفتش في وجوه العابرين عن وجهٍ أعرفه، وأبحث في أعينهم عن حدود جسدي. إن أسوأ مايمكن أن يحدث لحيٍ على هذه الأرض أن يموت في عيون الآخرين. يتنفس هواءً لاينفع ويأكل طعاماً لايُسمن، يصرخ فلايسمعه أحد، ويصطدم في الآخرين فيسقط متوجعاً وهم لايشعرون بارتطامه. يكملون ضحكتاهم الجوفاء والتفاتاتهم الفجّة، ويبقى وحيدا يسبح في الفراغ الكبير

حين سرقوا كل ممتلكاتي، لم تكفيهم ملابسي الممزقة وأثاثي الرثّ، فأخذوا أقنعتي معهم، المشكلة أنهم -أولاد الكلبة- نهبوا من ضمن الأقنعة وجهي الحقيقي، وكنت مختفياً حينها خلف وجهٍ رديء. لست متضايقاً من قناعي الذي تورطت به، ولكن يقلقني ذلك الاحتمال المفجع بأني سألقى وجهي يوماً في السوق أو في الشارع أو عند الحلاق. الاحتمالات السيئة البعيدة دائماً تحدث

لاشيء تغير سوى بعض التحايل على ملامحي القديمة، أصبحتُ قبيحاً كما يجب
.
.
.
كيف يمكنني التخلص من جثة حبٍ اغتيل في قلبي؟. انتفخ وضيّقت رائحته عيشي ونكدتني.

أنا على ذات الأريكة منذ دهر، أوزع يومي مابين كتابة مالايهم وقراءاة مالايفيد. أربط سعادتي بكل الأشياء البعيدة والمستحيلة، وأُدني التعاسات مني برفقٍ وكأنني أم أيتام. أحنّ على وجعي وأحميه من السراق، وهو يتوارد عليّ بلا انقطاع كصلوات المتقين، بِراً ومودة. وجعي حسنُ النية، والنوايا الطيبة دائماً تبرر الأفعال الخاطئة

أيابنت الصحراء، لم أتغير كثيراً، سوى أنني هرمت واشتعل الرأس ضيماً. لم تنطفئ أحقادي القديمة، ولم يمت كرهي للأموات بموتهم. فقدتُ صدري ووجهي وفقدت السيطرة على أطرافي المنهكة. تخنقني العبرات المحروقة، أغصّ بها حتى يغمى عليّ، وحين أفيق أجد نفسي منثوراً على الأرض كقطعة قماشٍ مهملة. أستعيد نظارتي وفمي الملتفّ. أرجع وكأن موتاً لم يكن. تركت التدخين، صرت أشرب القهوة أقل بقليل مما أتنفس، لم أعد أسمع الأغاني وكرهت الصباحات

لاشيء تغير سوى تلك الأورام الصغيرة والبقع المنتشرة على كتفي وفخذي، سببتها السقطات غير المرتبة، والاهمال المقصود
.
.
.
ماذا يعني أن أكون تغيرت؟ ما أهمية ماكنت عليه على كل حال؟. أياسائلتي وكل الإجابات لا ترضيك، أعلم أنك لاتسألين الا لتتلقي ذات السؤال في المقابل. أنا لا أرد الأسئلة، احزمي بقايا حيرتك وارحلي. لن ترضيك إجاباتي المشذبة ولن تتحملي فجيعة الحقيقة. لن تتعايش أحلام بنات الصحاري مع خيبات أبناء الجبال. سأمتن إن تجاوزتِ عدم اهتمامي، فمهما كان قساوة الجبليين لاتردمها لطف العبارات

لاشيء تغير سوى أني أتصنع حباً لم يكن خوفاً من عشقٍ لن يكون، أعيش عمراً ليس لي محاولاً ترميم قلبي وتوسيع مداخله، لتدخله امرأة جبلية، تحييه قليلاً قبل أن يشيخ

Advertisements
قياسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s