لقاء تحت رحمة الغفلة

:

(1)
هو رجل الغياب الأشهَر، وسيد الأسفار الأول.. الرجل الذي ملأ الحي صخباً.. يكرهه كل الرجال وتبغضه كل من لاتستطيع الوصول إليه من النساء. أما هي فهي الأذكى بين نساء الحيّ، هي الصادقة التي لايصدقها أحد. وحين كذبت لأول مرة صدّقها الجميع، خرجت كأي أنثى عاشقة، لتعلن للملأ أنها تكرهه كغيره من الرجال، ذلك الإعلان ماهو الا إعلان مبطن عن رغبتها في الرحيل معه، متحدية كل الأعراف، والنظرات التي لاتفهم

هرب من الحكايا المدبرة والوشايات الكيدية، امتطى صهوة عناده ورحل. ترك خلفه عشرات القلوب النابضة، آلاف الكلمات. وأنثى لاتعرف الا أن تحبه

يقولون أنها أصبحت مجنونة، ويتحدثون عن علاقاتها المشبوهة مع الجن وبعض أطفال الحي، هي لاتلتف لما يقولون، ولاتغيّر مشيتها أو تلملم مظهرها إن تفحصتها الأعين المرتابة.. أصبحت أكثر قوة مع مرور الأيام، وتوالي الصدمات، وتأخر غيابه

كانت تحلم برسالة يودعها القدر في كفها، أو تعلقها الريح على شجرة قريبة. هي تعرف رجُلها جيداً، متيقنة من قراءتها السليمة لنظرته الأخيرة، تلك النظرة التي قالت لها:(سآتيك).. وهي لاتكذب

(2)
أتاها الطفل الأعرج بورقة ممزقة، قطعتها مناوشات الأيدي العابثة، ووعورة طريقها المتشعب.. أخذتها مشفقة، وقرأتها بدون ترتيب، تحاول أن تفهم كل المكتوب من أول لمحة:
(( صباح المطر الذي لايهطل. سيدتي
أنا لم أرسل لك رسالة واحدة. إنها ألف رسالة، لكل رسالة عنوانٌ لاتفهمينه، وتفاصيل لا أعنيها بشكل كامل. مايميّز هذه الرسالة عن غيرها أني كتبتها وأنا مغمض العينين، مستخدماً الفحم، كتبت المسودة على جدارٍ في أطراف البلدة. قبل أن أبيّضها على الورق.. وأدسها في ذات الصندوق الذي استقبل قبلها مئات الرسائل. كلها لك.. كلها لاتصل
.
هكذا طقوسي معك، غريبة كأحساسي تجاهك، انا المركون على قارعة الأيام، تمر السنون أمامي محملة بالسعداء والتعساء، أشاهد آ لاف الوجوه، واسمع ملايين الكلمات والزفرات، أنصت إلى حديث العشاق وإلى شكوى المحزونين. مللت الحديث إلى الغرباء. سئمت النظر إلى وجوه الصغار، ومتابعة ظلال النساء.. أريد يوماً أعيشه معك.. فلاطاقة لي بمزيدٍ من شقاء
.
هذه حالتي منذ دهر، أوزع الأيام على أمنياتي، فأصرف سنتين على لقاءاتنا الاولى، واقتطع عشر سنين أقتسم فيها الساعات معك، ستون دقيقة لك وستون دقيقة لمحاسبتي على تقصيري معك. ثم أجعل السنين التي تليها هادئة.. نستمتع فيها بذكرياتنا الحلوة. نتندر على مواقفنا السخيفة ونتجادل حول أشياء لاتستحق

أعطيني يوماً واحداً نسرقه من ليالي الأثرياء، أو ننهشه من أفواه الجائعين. سأقتسم ليلي وإياك مع الحزن، فأنا لا استحقه كله. سأخذ منك مايكفيني لعمرٍ قد يكون.. وسنين قد أتمرغ في صحاريها))

قلبَت الرسالة، وضعتها على فخذها الذي تعرى.. ثم كتبت مرتجلة:
(( أود الكتابة أولاً للخونة والكذابين والأوغاد والزنادقة والغشاشين والملعونين.. أشباه الرجال وأنصاف النساء. أبيّن فيها أني لا أحمل حقداً على أحد منهم، لدي كامل الاستعداد لسماع كذبهم وزيفهم ولحن أقوالهم، لاتضايقني نظراتهم وهمساتهم التافهة، لن أصفهم بما يصفهم الناس علانية. فهذا فعل منفر. سأستمع إليهم.. تماماً كأني واحدة منهم، بلهاء كأرجحهم عقلاً. سأستوعب كل ما يأتوني به، ثم أنسحب منهم إليك

أعذرني. فقد ملأوا دنياي حقداً على كل شي، امتلأتُ يأساً منك وباتت حياتي سوداء لاتسر. رسالتي إليك ستمر من خلالهم فوددت أولاً أن ألقي السلام عليهم. أولاد الكلب
.
أما أنت.. يامن لن تقرأ هذه الرسالة. حتى لو مرّرتَ عيناك على حروفها وفواصلها واسم مرسلها، فأود أن ألعنك على عدد ذرات الرمل مابين مكاني الذي تعرف ودنياك التي لا أتكهن بحدودها.. لن أسامحك على سنوات القحط التي أتت على كل أخضر في جسدي، ولن أغفر لك حتى تريني منك مايعيد لي بعضاً من حياة. فقد مللت الموت هنا
.
ياسيد الغياب البرزخيّ، إليك أشكو فراقك الذي طال، وشوقي الذي تكوّم فانهارَ عليّ، كسّر عظامي وهشّم دماغي.. وجعلني لقمة سائغة تلوكها ألسن النساء وعيون الشياطين
.
.
تريد يوماً واحداً؟.. تعال يا أهبل وخذ كل أيامي، سأنشرها أمامك دقيقة دقيقة. ألونها وأجمّلها لك، وأخيّرك بين أولها وآخرها، أيها تريد أن تقضم أولاً، كُل ماشئتَ من أيامي هنيئاً مريئاً.. فإن لك ألا تشبع، ولاتجوع
.
تعال.. سأكون طعامك اذا جعت، سقياك اذا عطشت، سأكون ذكرياتك الجميلة. ومفخرتك في الزمان، تعال يا مهبول، لم يتبقى للتلميح مجال.. تعال ))
.
.
سلّمت الرسالة للطفل الأعرج. أعطته مبلغاً من المال، وقبلة كاذبة، ثم قالت له: إذا تمزقت الرسالة أو أصابها تلف احرص على ان لاتصاب آخر كلمة بأذى. بقيَت واجمة تراقب رحلة رسالتها المتأرجحة. قبل أن تعود إلى منزلها الكاتم لأنّات انتظارها

(3)
تغير وجهه كثيراً، أصبحت ملامحه أكثر اقتراباً من الموت، أما هي فقد ازدادت جمالاً وحياة، وكان اللقاء

التقيا سراً تحت رحمة الغفلة، بضع دقائق اختلساها من صرة الصدف. كان يتحدث بصوته الجهوريّ الغليظ وهي تصرخ بهمس، تحرص على أن يصله كلامها فهي لاتريد إعادة الكلام خشية أن تأخذ الإعادة مكان كلام آخر، تود قوله. بادرها وهو يستنشق ملامحها:
– اشتقت إلى كل الاشياء من حولك
– ياحسدي لكل الاشياء التي حولي
– اشتقت إليك
– ولكنك ستعود لغيابك.. صح؟
– سأعود لمكابدة الشوق، وزرع فتيل الوله من جديد
– كم بقي لي من الوقت معك؟
– أقل مما يكفي لنطق كلمة.

انتهى اللقاء سريعاً.. عاد لغيابه وهي عادت لاتهامات أهل الحي ونظراتهم المشحونة بالريبة والرغبات المعلنة. لم يترك ذلك اللقاء أي أثر. لم يُثر أيّ مشاكل من أهل الحيّ رغم مراقبتهم الفاحصة لكل مايحدث لها، وحولها. مُحي كل شيء، حتى الذكريات التي كانت تتوقع أنها سترتسخ بذاكرتها اختفت، وكأنه كان حلماً. أو شيئاً من هذيانٍ ملموس.

.
.
(4)
بعد سنوات. وُجد مقتولاً في مكان قريب، أفادت التحقيقات أن الذي قتله أربعة رجال وثلاث نساء، تناوبوا على ضربه بالعصيّ والهراوي حتى مات. لتتشكل آلاف الكلمات حول جثته. كما كانت تحيط بجسده قبل أن يموت، ولتخفُق من جديد عشرات القلوب الوجلة. أما هي فلم تعد تنام الليل من التوجس، تدافع عن ابنٍ يشبهه، خشية أن يُقتل هو الآخر للسبب ذاته
:

Advertisements
قياسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s