أغنية لكل المناسبات

(1)
الأمنيات حين تبعث من مقابر الذكريات السيئة والأحداث اليومية الباهتة تكونُ حدثاً كونيا جميلاً. هذا الصباح بُعثت لي أمنية قديمة. أمنيتي أن أكون قصيدة مغناة، كلماتها مرتبة بهدوء ولحنها مميز وبسيط. أعيش في حدود لحني المتوارث، لا أحد يكرهني، لايملك الشخص أمامي إلا أن يحبني أو أن يتجاوزني دون أن أترك فيه بالغ أثر. أعني أن أكون حقاً مشروعاً للجميع، أغنية، يمكن أن يغنيها أي مطرب بدون أي حقوق فنية أو أدبية يطالبه بها أحد، يمكن أيضاً أن يتمتم بها الملك أو أحد وزراءه في لحظة صفاء، وفي المقابل يمكن أن يصرخ بها أحقر الخلق في أحقر الأماكن دون أن ينكر عليه أحد.

أنا آخر اهتمامات عصابات اختلاس الأموال وسرقة الأعضاء البشرية، وآخر أهداف مؤامرات القوى الخفية، أنا العضو الأقل تأثيراً في المجموعة، القطعة الأضعف في الحلقة. أنا أقل الناس اهتماما بقضايا الوطن الكبرى وحمل الرسالات الخطيرة، أنا العنصر الأقل كثافة، المادة الأقل قابلية للاحتراق، أنا الأخرس إلا قليلاً، الأصمّ إلا قليلاً، الأبكم تماماً، المختفي إلا قليلاً. لم أتطلع يوماً لأكون أكثر من ذلك ولم أحاول، ولكن يقتلني سؤال قديم يجلبه طولُ ليل الشتاء، مالذي يجعل الحزن يترك كل الأشخاص، كل المواد، كل العناصر، ويتكوم فوق رأسي؟! يقتات على فكري، ويشرب من دمي. يتحين الذكريات الغابرة والأحداث الحالية ليزيد بطشه عليّ، يُراكم الأوجاع تباعاً، يردمها على صلابة صبري حتى يوهنه. صبري المتين الجامد صار رخواً، كعجوزٍ منكفئٍ على ذاكرته، يهش على صدوف الزمان.. وصدوف الزمان تهزأ بمن يفعل ذلك.

(2)
في عالم يشبه السجن لاتثق أبداً بالجدار، لاتثق بأبواب الحديد ولا بالنسمة التي تأتي من النافذة. أنت لاتملك أكثر من جسدك، ولاتستطيع الحفاظ عليه بشكل كامل، الكل يقاسمك إياه. حريتك مصادرة بدخولك من باب السجن الخارجي، كرامتك وإنسانيتك كذلك، يبقى أن تحافظ على صحتك فقط. على النزر اليسير من الأكل ومجرى الهواء بما يسمح لك أن تكمل حياتك بالحد الأدنى من متطلبات البقاء.

الطريق للفرح القادم هو أطول الطرق، والعثرة القادمة هي أول مستقبليك وأشدهم شوقاً للقياك. الأيام لاتخبرك متى تكون قاسية، ولاتعلم أبداً متى يضرب القدر ضربته القاضية، مهما توالت على رأسك الضربات وعلى قلبك الصعقات فإنك لن تهنأ.. القدر يتعامل معك على أنك حالة متأهبة للموت، للفراق، ولكل الصواعق القاتلة. في اللحظة التي تتجاوز فيها حزنك السابق وخيبتك الفائتة تكون زبوناً جاهزاً تعرض من جديد للحالة القادمة، ولا اعتراض

لاتخرج من الدائرة المؤطرة بالجمود!.. لايحق لك أن تكون يائساً، لسبب بسيط هو أنك ستكون سبباً في تعاسة من يتقاطع معك أو يشهد قصتك الحزينة. وبالمقابل لايحق لك أن تكون سعيداً، السعادة تشبه أوراق الحظ، قليلة ومحدودة وكل الطامحين يتقاتلون عليها.. يجب أن تكون مهيأً لإسعاد الآخرين. أن تضع نفسك في الطبقة المنسية، لاتكن سعيداً أبداً، ولاتكن تعيساً بالقدر الذي يجلب الاهتمام، التوازن مطلوب لتبقى في حدود الدائرة ذاتها.. ثم من سيسمح لك أن تخرج؟

أحمل جسمي الذابل، وحلم الطفولة مشنوقاً على كتفي، وصوت النحيب مخنوقاً في داخلي، أحملهم ثقيل الخطوة وأقف على إحدى عتبات القهر، أتذكر أحداث هذه الأعوام التي عشتها في هذا السجن. أحسب العمر ولا أحسبه. كلما أغمضت عيني أملاً وجدتها تنبلج فجيعة وتتزايد أنفاسي لأعرف من أي جهة تمت مهاجمتي. في مكان كهذا لايمكنك أن تأمن أيّ جانب، السجن كبير والمساجين قد يخذلونك بدون سبب، الحاجب قد يعذبك لمجرد أنه ملّ من الجلوس، الزوار قد يوقعون بك ولهم أسبابهم التي لن تفهمها. ولسانك أيضاً ربما يشي بك دون أن تشعر.

لاشيء يستمر على حاله، الأمور الجيدة دائماً تنتهي، أما أسوأ الأقدار فإنها غالبا تورث أقداراً أسوأ منها.. أنا لا أعترض على توراد المصائب، ولكنني أهزأ من نفسي في مواجهتها، ومن ثقتي الدائمة بجلدي وحسن تدبيري. أنا لا أضحك من شدة الأمل، ولا ابتسم يأساً، أنا أتمتم هازئاً من قصور فهمي، وخيبة توقعاتي. لا أدعي أنني رجل صالح أراد الله أن يُذهب سيئاته ببعض المصائب، أو أنني رجل سيء أراد الله تعجيل عقابه على بعض ذنوبه. ولكنني سئمت التعثر دائماً في الممر الأخير قبل خط النهاية، سئمت تكسر سلّمي كلما اقتربت من قطف الثمار، مللت العمى حزَناً كلما بان فرح. شعوري بقسوة المفاجآت تكرر حتى صار عادة، ومن يعتاد على تقبل الأوجاع لايطيب له العيش إلا موجوعاً حتى لو كان خياره المفضل أن لايفعل.

(3)
لقد نسيت كيف يكون الكلام، وكيف تكون الكتابة، منذ مدة وأنا أتعلم لغة الغرق. أجيد الغرق ابتداءً بأطراف أقدامي، وانتهاء بغمس وجهي في الماء، إنني أتدرب بشكل شبه يوميّ حتى صرت ماهراً، لا أجيد السباحة، ولا أفهم أبجديات الغوص.. أنا -إن صح التعبير- غارق ماهر. أجيد الغرق في شبر ماء، والاختناق في نصف كوب.

أنا رهين توقعات الآخرين، أسير افتراضاتهم. أنا أكثر التائهين حاجة للدليل، والفساق لم يجدوا غضاضة في مضايقتي، تعاونوا على تعكير صفو مسيري، إن مشيت بين زحام الناس ضايقوني على موضع خطوتي، وان مشيت بجوار الجدار سقط عليّ الجدار، ثم بعد كل ذلك أدعي أنني استطيع العبور، أمشي كسير الخطوة، أشتُم الفساق كثيراً وألعن من بنا الجدار.

أيها الحزن لا اعلم مالذي حملك على زيارتي هذا الصباح. تأتيني محملاً بكل ماتملك من فنون المجاملة والتملق، تزورني على هيئة رجل بارد. قررت أن تزورني في أشد لحظات التفرد والوجوم.. إنني أحييك.. أشد على كفك ومعصمك، أحييك وأرحب بك، وأقبّل جبينك وأربت على كتفك، أحييك وألعن والديك، ووالدي والديك، ثم أكيل لك من الشتائم مايهوّن من وقع ظلمك عليّ قليلاً ولايضرك. أيها الحزن.. لافرق بيني وبينك الليلة، أنا وحيد جداً وأنت متوحد، أنا مغضب جداً، وأنت الغضب كله. أنت بلا جسد وأنا أزداد نحولاً واختفاءً

أيها الحزن، ياضيفي الكريم اللئيم، تفضل بالتسلسل، اعتبر نفسك صاحب الجسد والمكان. اعتبر نفسك مطراً وانهمِر، أو جيشاً فتقدم، أو شيئاً مما يكبر في عينك وبالغ في غيّك. أريدك أن تصل للنقطة الأخيرة، تستثير الوجع الأكبر. اجتمعَ لك يأسي الكبير وقناعتي السخيفة وصدري الذي كبّرته النوازل، حتى غدوتُ أرضك الخصبة، وطريقك الممهد، وعالمك الفسيح، عش مابدا لك أن تعيش فإن مصيرك الزوال، ولو على موتي.

(4)
مشكلتي القديمة المتجددة أنني أرى نصف الحقيقة أو أقل من ذلك، وأبني عليها قصتنا الجميلة، القريبة من حد الكمال، قبل أن أصطدم بفراقاتنا المتتالية، وصداماتٍ لم أفهم ابدأ من أين بدأت وكيف ستنتهي. الشقوق الصغيرة تكبر ولاتلتئم، والضربات المتلاحقة تفتّ في عضدي، تنهشني مبتدأة بالعرق الأول، النبض الأول والطرف الأضعف من قلبي.

ياكاملة التوقع، وصادقة الحدس. خبريني كيف يمكنني الخلاص من هذا العذاب. علميني بحسك الأنثوي الذي يجيد التفاؤل، ويجيد ترتيب الأحداث كما يجب أن تكون، كما ستكون حتماً. خبريني أولا كيف يمكنني التخلص من هذه الدمعة العالقة على طرف الهدب منذ سنوات، خبريني كيف يمكنني بلع هذه الغصة أو نفثها، هذه الغصة العالقة في حلقي منذ صغري؟ أخبريني من قتل حمامة أمي؟ من سرق أساور أختي؟ من شهِد لحظات صديقي الأخيرة؟ ومن صيرني إلى ما أنا عليه من الجفاف؟.. خبريني ماسر خوفي الغريب من الطيور، من الرجال البدناء، من النساء الغريبات، ومن الجار الذي أراه يبتسم دوماً وكأنه يعرف كل شيء، وإذا تحدث كأنه لايعرف أي شيء

أسألك بالذي جعلك أشهى النساء حديثاً، وأرقهن إنصاتاً.. أسألك بالذي جعلني أكثر الرجال جوعاً، وأكثر المحرومين شهوة للكلام.. أخبريني أي قصائدي مازلتِ تخبئينها في ورقة ملونة، أيّ أحاديثنا المطولة مازلتِ تحتفظين بذكرى تمللنا من كثرة جدالنا فيها، أيّ أبياتي العتيقة مازلتِ ترددينها وتترنمين بذكرى نطقها الأول. تعلمين أني لا أقرأ شيئاً كتبتُه أبداً، كل الأبيات والنصوص التي سمعتها بصوتك كان سماعي الأول لها، والأخير. قصائدي لم اسمعها إلا بصوتك، الأغنيات لم أطرب لها إلا بإحساسك، والحياة لم أعش لذتها إلا بطعم وجودك.

يامكملة نواقص حياتي، ومتمّة أركان عيشي. عند ذكرك ينتهي كل يأس، وبالحديث عنك تزول هواجسي وتكتمل في ناظري حياة لم أعشها بعد. في كل صباح أعود إلى ماقبل فراقنا السابق، لأتشكل من جديد كومة انتظار كبيرة، تعيش مترقبة عودتك. أنا الجامد موتاً في غيابك، الحاضر صخباً كلما اقترب موعد عودتك المتباعد. في كل صباح ابتسم، وانغمس في وجعي بتلذذ الصغار، في الظهيرة يلفحني هجير الغياب، يصيرني عجوزاً افريقياً، وفي المساء أتلحف رداءي الأبيض وأتوسد أريكة تشبه اللحد، الليل في غيابك قبر.

في كل صباح أهيم كبعيرٍ مقهور، وأنتِ تبتعدين أكثر كل مساء، وكأنك نسمة لاتعبأ بما فاتها من أشجار، لاتفكر إلا فيما ستواجهه في مستقبلها القريب الهادئ. أنا الموعود بلقاءٍ لن يتم، المراهن على رهانٍ لن يكسب، الساقط من ارتفاعٍ لا أرض له.. أتوقٍ لنهاية أولية لخساراتي ولا أجد، أريد أن استجمع خياراتي وأحسب خساراتي الآنية وليس لي إلى ذلك من سبيل، تدفعُ الخسارةَ الخسارة، وتهزأ المصيبةُ بسابقتها، لا أنا توقفتُ عن التمني ولا أنتِ تخليتِ عن نرجسيتك اللذيذة وخففتِ من اندفاع شرودك.

(5)
مالذي اختلف هذا الصباح! مالذي بعث أمنيتي القديمة؟ وكيف يمكن لأمنيةٍ صغيرة أن تحيي يوماً ملبداً كيومي هذا، ثم تقسمني نصفين، النصف الأول يهرب من حزني المتسارع، والنصف الآخر يتبع خطواتك المتباعدة، في طريقين مختلفين كل منهما له بداية لذيذة، ومنتصف حارق ونهاية ضبابية لا أكاد أراها؟

ياطاهرة النفَس، يانقية الصوت، هل تبلغك الأماني؟!

ألا ليتني أصير أغنية، كلماتها لاتشبه الصباح المظلم، لاتشبه السجن، لاتشبه الغرق، لاتشبه الفراق، لاتشبه رحيلك الأخير. يا أغنيتي الخالدة، أمنيتي التي تحقق نصفها، أن أكون أغنية مثلك، نهيم في فضاء الفلاحين والجزارين وسائقي السيارات وموظفي البريد وربات البيوت، نتشكل أغنيتين شعبيتين. تتبادلنا الألسن والأوراق، تتوارد على سرياننا الأزمان، أغنيتين شاردتين، ربما أخطأ أحد العوام في أحد الأيام ثم خلط كلماتهما، أو تمتم بلحنهما أحد الملحنين فخلطهما عن قصد لنتشكل سوياً أغنية بارعة البساطة، كثيرة الترديد، تصلح لكل المناسبات، تصلح أن تكون نشيداً وطنياً لدولة حديثة النشأة، تصلح أن تكون حداءً أو أغنية للنوم، يمكن أن تكون تعبيراً عن الأفراح أو الأتراح، تطرب الفرحين في الأفراح، وتثير خشوع المشيعين وأهالي الأموات، أغنيةً شديدة الانتشار، الترنم بها حق مشروعٌ للجميع.. يمكن أن يتمتم بها الملك أو أحد وزراءه في لحظة صفاء، وفي المقابل يمكن أن يصرخ بها أحقر الخلق في أحقر الأماكن دون أن ينكر عليه أحد، ودون أن يؤثر أي من ذلك على براعة التحامنا الأول، وديمومة خليطنا المقدس.

قياسي

10 thoughts on “أغنية لكل المناسبات

  1. العنزي كتب:

    أترقب جديد تذمرك كل مــره

    إنــه ليس بالسئ ولا بذاك التذمر

    هو أجمل تعبير قرأته في حياتي

    هي ليست مجامله

  2. peace كتب:

    هذا النص يُشبهك فعلاً. ولكنك أكثر وسامةً.
    أعني، حدث أن قرأت لك أجمل من هذا.

  3. CareLess كتب:

    العنزي

    رفع الله قدرك، وشكرا على اطراءك وكلامك اللطيف
    اتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظن انتظارك

  4. CareLess كتب:

    tabosho

    صدقني المغنيّ الأول للأغنية ليس أفضل من يؤديها

    الشكر لك tabosho نورت

  5. CareLess كتب:

    أهلاً peace

    كلك ذوق
    بالتأكيد يحدث أن يكون النص للأخير لأي كاتب أقل جمالاً أوأقل تمكناً

    شخصياً لا أحبذ المقارنات بين النصوص ، ولكن اتقبلها
    سعدت جدا بتواجدك ، حياك

  6. كلمات \thedream كتب:

    مالذي يجعل الحزن يترك كل الأشخاص، كل المواد، كل العناصر، ويتكوم فوق رأسي؟

    لأن الحزن شعور نبيل وطاهر وصادق ..لايكذب ولايتجمل ولا يقبل الوجود حيث التلوث..فهو لايسكن
    إلا القلوب الطاهرة ولا ينطق إلا بوجع صادق…ولايلتمس إلاالصعب من الطرق ليعبدها لك فيسهل لك السير
    فيها طوال حياتك….
    ينتقي أجمل الأحلام ليهديها لك فتعيش ماحرمت منه بفعل البشر وقسوة الحبيب وموت الضمائر وفساد الأرواح….الحزن رائع ولايقبل بماهو أقل منه روعة….
    سلم بوح ولانضب معين إحساسك ولاحرمت نقاءوصدق حرفك…

    كلمات..

  7. CareLess كتب:

    كلمات \thedream

    شكرا على لطفك، أعجبني حديثك عن الحزن، النقاء والصدق في الاحساس العميق بالحزن يندر أن يتلوث وهذا مايخفف وخز الألم، ويجعل المرحلة االاحقة أجمل وأنقى من لحظات فرحٍ غير مكتملة

    نورتِ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s