الأغبياء لايخونون

– 1 –
لايضحك كثيراً، ولايبكي. لايتحدث مع الغرباء ولايسلّم على من لايعرف. لايتحدث بلباقة ولايبتسم في وجوه الآخرين. لايجامل ولكنه ليس صادقاً كل الوقت. جميل رغم أنه لم يهتم بهندامه يوماً ولو من باب التغيير. أمامه مساحات كبيرة للفرح ولكنه لايفرح، ومن حوله كل منغصات الحياة ولكنه لايبدو حزيناً. تقول والدته أنها رأت كوابيس مفزعة قبل ولادته، ولم يكن بطبيعة الحال الابن المفضل بالنسبة لوالده.

عاش حياته يطارد شيئاً لايراه ويهرب من شيء لايخاف منه بالضرورة. ينتبه من نومه كل صباح ليجد في حياته شيئاً مختلفاً، شيئاً يقربه أكثر من الدوامة، وهو سائر إليها بمحض كراهته..
عاش طفولته صائماً عن الكلام فلما كبر واشتهى أن يتحدث لم يجد في مخزونه من الكلمات مايكفي لمجابهة أتفه محادثيه..
عاش حياته يتآكل من الداخل ضيماً وحزناً، فلما سقط ومات اكتشفوا أنه خاوٍ من الداخل، اكتشفوا أنه لم يكن حياً من البداية.

اختلف الناس حول وفاته أكثر من اختلافهم عليه في حياته. قيل أنه اغتيل مطعوناً بخنجر مسموم، وقيل أنه انتحر، وقيل غير ذلك كثير، ولا أحد يعلم حقيقته. رثاه أكثر الناس كرهاً له، ولم يترحم عليه والده، كما لم يحضر أحد من أهله أو قرابته تشييع جنازته ودفنه، ولا أظن أن هناك من يحبه.

عاش مغترباً ومات غريباً. كان لغزاً بسيطاً ولكن أحداً لم يحرص على حله أو كشف تفاصيله. غادر وكأنه همّ انزاح عن صدر العالم. كأنه خطيئة تم غسلها ولم يبق منها إلا وخز الذكريات الذي لايدوم. مات نسياً منسياً، كإسم شيخٍ لا أبناء له، كذِكر عالمٍ لا طلاب له يدونون علمه ويحفظونه، أو كخروف وحيدٍ في حظيرةٍ يملكها فقير.

حكايته غريبة، عابرة، ومنسية بالتأكيد. الشيء الذي جعلني اتذكرها وأذكرها هو شبهها العجيب بقصتنا. للأسف قصتنا في حيرتها وتوجسنا منها تشبه إلى حد كبير ذلك المنبوذ الذي عاش حياته كسيراً ومات دون أن يبكي عليه أحد، لم تورث إلا صدمة لن أشفى منها أبداً، وذكريات لن تنسيها. كنا نكثر الحديث عن فراقنا المحتمل لنهوّن عن أنفسنا فجيعته ولكننا بفعلنا هذا قربناه أكثر مما يجب. نسانا الموت ذكر الحياة فجاء موتنا قبل حينه، جاء مفجعاً مؤلماً ومخالفاً لكل احترازاتنا وتأهبنا.. ثم طفقنا نبحث عن حياة جديدة، حياة لم تكتب لنا، حياة لن تكتب لنا

– 2 –
والعالم من دونك عبث. الناس من حولك غثاء، والنسائم كلها تعبرك واثقة من كثرتها قبل أن تتبدد خلالك لتخرج قليلة صاغرة، تخرج وهي راغبة في التوحد والعودة إليك. أيتها الشامخة في وجه طوفان المنسيات. أيتها المتوازنة فوق عرش الباقيات. استغفري لذنبك، لقد تركني جبروتك منفياً فوق تل الشعراء، وأنتِ مسترخية بدلال ملكات العصور البائدة، تستمعين لكلام لايزيد في ملكك إلا توثيقه، ولايزيد في جمالك إلا تقديراً يسيراً لسطوته.

ياملكة يتقاتل الفرسان في الباحة الخلفية لقصرها وهي لاتعلم. لم أطلب يوماً أن أكون بطلك الأوحد، ولكني لم أتصور أبداً أنني -بعد كل هذا العناء- سأتكوم مع عشرات الهياكل العشقية الساقطة إهمالا على أحد جانبي طريقك المرتب.

كم عمراً نحتاج لنلتقي مرة أخرى ولكن بصدق، نتحدث بصدق، ونعزي بعضاً البعض بصدق وإيمان نقي؟ كم شخصية يجب أن أمثلها لأتقاطع معك ولو في دور جانبيٍ عابر؟ ربما يتوجب عليّ أن أكون كهلاً يتوسل رغيف خبز، ثم أكون طفلا يلهو بجوار مسارك، ثم أكون أباً لصديقة تزورينها مرة كل شهر، ثم أتحول لنجم تلفزيوني قد تتابعين لقاءه ثم تراسلينه إعجاباً أو انتقاداً. ماذا سيخسر العالم لو التقينا مرة واحدة وأنا بشخصيتي الحقيقية وأنتِ بصورتك التي أحب، ليكون لنا تاريخ قصير نحكي عنه، أو نكتب عنه، أو نرسم ملامح صدقه في لوحة بارعة التورية.
لست شغوفاً بالحياة، ولا أريد أن أعيش عمراً ليس لي، أو ألبس ثوباً لايناسبني، ولكنني سأتقبل فكرة العيش أكثر من مرة، وبأكثر من أسلوب حياة، وأن أكون جزءاً من أي شيء، في أي مكان كان فقط لألتقيك ولو بالتضاد. مللت التمدد أمامك عله يطولني شيء من نظرتك الساهية. تجرحت أطرافي وأنا أحاول التكوم بجوارك ككوب قهوة منسكب رغبة في لفت انتباهك لوجود شيء غير مرتب. أعلم أنك لم تهمليني بشكل كامل، ولا أعيش دور العاشق المنسيّ، ولكني لم أعد ذلك الشخص الذي رأيت ملامحه وحدود شخصيته في عينيك أول مرة. هل كانت صورتي تلك حقيقية؟ أم أن أمنياتي تعالت حتى صيرتني بتلك الدرجة من البهاء؟!

أعلم أن دموعك التي تستغرق رحلتها على طول أهدابك أكثر مما تستغرقه في الخروج من عينك لاترضى لي هذا المصير، وأعلم أن طيبتك التي تضاهي حنان الجدات لايعجبها هذا التهشم في داخلي، وأعلم أن رقتك التي لو سكبتِها على نهرٍ لتغير لونه لن تقبل أبداً أن اتكسر كل هذا التكسر، ولا أحمّلك أكثر مما يستطيع جنونك اللذيذ أن يتحمل. ولكني أنوء بحمل أسئلة فتاكة ستهلكني إن لم أطلقها، حتى لو لم يكن إلى إجاباتها من سبيل

سأخبرك أمراً لم تتسن لنا فرصة الحديث عنه طيلة عمرنا الشقي القصير. عمرنا الذي قضيناه نتأهب للموت، ننظف قبرنا المحتمل، ونعيد تشييع جنائزنا وتنظيم صفوف المعزين. كأن الحياة لا معنى لها، وكأن الحب عقبة نحاول تجاوزها بأسرع الطرق وبأقل الخسائر الممكنة، تخنقنا عقدة ذنبٍ لاوجود له، ونتبادل اتهامات نعلم جيداً أننا نتشارك وزرها بالتساوي، ونتشارك وزر مابعدها، إننا نشكل أغرب قصة يمكنُ أن تروى، فقد فرقنا الحب وجمعنا الغدر، اختلفنا على المودة وتفسيرها وطرق صيانتها، واتفقنا بتواطؤ نادر الحدوث على الخيانة والفراق. يصلح في حقنا كل عقاب، فقد كفرنا أولاً بكل إيمانيات الحب ومسلماته البديهية قبل أن ننحره متذرعين بالظروف، والوقت، والعالم الذي لايقدر حريتنا واختيارنا

– 3 –
مشيت كثيراً حتى ابتعدت، تركت العالم وراءي، ولا أرى أمامي الا الفضاء، أسيح بشكل يثير الضحك والشفقة بلا أجنحة، وزني لايساعدني على الاحتفاظ بالدرجة المطلوبة من التوازن. كلما ابتعدت أكثر اجتاحني البرد أكثر، أتلحف رداءً باطنه من الشوك، تخترق جلدي حتى أصير هشاً في مواجهة البرد، تكون النسمة عليّ كأنها ريح، ويشتد جفافي من الداخل حتى ليخيّل لي أني بلا دم، بلا ماء، ولا لزوجة تشي بحياة، أصبحتُ كائناً من خشب

أظنني أكثر الكائنات قابلية للاحتراق، للصدمات، وللتكسر. أضعف الكائنات مناعة. أبكي أشخاصاً لايستحقون صدقة التبسم. وأضحك بلاهة مع أشخاص يكنون لي نصف العداء ويعلنون نصفه. أهزأ من كل شيء حولي، فلا ترد لي الأشياء استهزائي إلا استهزاءً لاذعاً محملاً بابتسامة منتصر، تلحقها بشتيمة لايسمعها سواي.

مشكلتي أنني دائماً أجيب. لم يحدث يوماً أن سألت، أو حاولت فهم شيء غامض بنوع من الالحاح والرغبة. أتقبل الجُمل بشكلها الأول، وأتفهم الأعذار بكذبتها المبسطة. أقف على أطراف كلماتٍ لم تُقل، أتعثر بالكلمة قبل أن أقولها، فأكون رهينة لها، مطروح بينها وبين من يتلقاها، فأبوء بذنبها، وذنب كل احتمال سيء لفهمها، ولاشيء يكفيني عذاباتها. كل هذا وأنا لم أقلها بعد، ولكن الكلمة تتوزع على ملامحي وتحفزي وايماءاتي فتُعرف قبل أن أنطق بها، ليكون النطق شيئاً زائداً بلا معنى، فردة الفعل جاهزة بالمقابل ومتحفزة، وأنا -بطبيعة الحال- خير المنصتين

أنا الواقف على شفا الجسر المعلق، أشرف على عبور آلاف السقطات، بلاحول ولاقوة، أنظم سيرها بكل حمق. وأرتب أماكن توجعها وكأنها شأن غيري، وكأن تجمعها لايفضي إلى سرطان من النكد، ينتشر في صدري، يتضخم يوماً بعد يوم. بعد أن تهيأت له كل أسباب التكاثر، وانتفت المناعة اللازمة لردعه أو تحجيم ضرره. تتورم الفجائع في داخلي حتى أكون زائداً على تكومها، تصبح هي الجسد وأنا الزوائد التي يلزم استئصالها. فاض بي الحزن حتى تساقط عن يميني وشمالي، لم أعد أتسع له، بل إنني اختفيت وسط تراكماته

– 4 –
هل زرت مدينة منكوبة من قبل؟ أعني مدينة أصابها زلزال مدمر أو عواصف وفيضانات شديدة أو حرب مهلكة؟ يمكنك بكل بساطة أن تزور الرياض، المدينة المنكوبة.. لم تشهد حرباً مدمرة بالطبع، ولم تحدث كارثة طبيعية كبرى. ولكن حصل شيء يشبه كل ذلك دفعة واحدة.

لقد شهدت تحطمي على أحد أرصفتها. أنا لا أبالغ، لقد تناثرت الحمم، تفتت الأجزاء المبتورة من ذكرياتي وأحلامي على الشوارع الفرعية وأسقف البيوت والمحلات. لقد تحطمتُ كلياً، تم نسفي من الجذور.. تشوهت الأماكن العامة بفعل صدمتي، وأصاب الناس ذعر وتوجس. استنفرت كل القوات المدافعة والمستشفيات لعلاج وحماية المدنيين. أنا الآن أراها مليئة بالخوف والرماد والتوسلات الحارقة لنجدة لن تأتي أبداً. ولا أظنني الوحيد الذي يراها كذلك، شهود عيان أكدوا أنهم سمعوا صرخات متقطعة قبل أن يشاهدوا رجلاً يئن على الرصيف.

إن كان التاريخ صادقاً فيما يعلمنا، أو كانت الحكايات القديمة بارعة الحبكة والتصوير فإن الحقيقة الأولى والأهم في تاريخ الخيانات أنه لايخون إلا الذكي، الذكي الذي أحببت هو الأكثر قابلية للخيانة والغدر، الفطن الذي قربته منك إعجاباً به واطمئناناً لوجوده بقربك هو الأكثر قدرة على إخفاء خنجره المسموم كي لاتراه، والأكثر دهاء في غرسه في ظهرك بهدوء وهو يبادلك الابتسامة، قبل أن يلفق بخبث ومكيدة جرم الغدر لمن هو أقل ذكاء.

الفترة الفاصلة بين تلقيك لطعنة خنجره المسموم وبين تفشي السم في جسدك هي أشد اللحظات حيرة في حياتك. تتكاثر الأسئلة من حولك. لاتصدق ماحدث، تبدأ في محاولاتك اليائسة لجمع خيوط القصة ولكنها لاتكتمل، هي لن تكتمل أبداً على كل الأحوال. التاريخ يقول ذلك، والحكايات بارعة الحبكة تؤكد ذلك أيضاّ

قصتنا في حيرتها وتوجسنا منها تشبه إلى حد كبير ذلك المنبوذ الذي عاش حياته كسيراً ومات دون أن يبكي عليه أحد، أتساءل كم طالت حيرته وهو يبحث عن من غدر به؟! وما أهمية معرفته بالحقيقة وهو يعيش ساعاته الأخيرة؟.. أتساءل ما أهمية معرفة من غدر منا ونحن نموت في عُرف العشق، ننازع فراقنا شاخصي الأبصار. لازلت التفت عن يميني وعن شمالي أبحث عن خيوط القصة بغية اكتمالها في مخيلتي على الأقل ولكني لا أفلح.

كانت مشكلتي من البداية أني أحاول إبعاد الأغبياء، أحطت نفسي بمجموعة من المتذاكين ولم أكن أكثرهم ذكاءً للأسف. لم أعرف أبداً من الذي اغتال حكايتنا، كنت فاشلاً في تقييم الآخرين، وفي تقييم المواقف. بالطبع لم أندم على شيء، المرء يعيش عمره كله وهو يفشل في تقييم المواقف، تصقله الأخطاء بشكل نسبي حتى يهلكه تقديره الخاطئ الأخير. ولكن يحز في النفس معرفتنا المسبقة أنكِ أشدهم كيداً وذكاء.

قياسي

7 thoughts on “الأغبياء لايخونون

  1. CareLess كتب:

    أهلا بنفسج :
    ممنون زيارتك..
    أتمنى أن يكون القوس في واقعك متجه للجهة الأخرى

  2. كلمات \thedream كتب:

    رائع ماخط القلم..ومؤلم ماباح به مكنونك وقاتل هو شعورك…

    لك صادق الدعوات أيها النبيل….

    كلمات

  3. رقة الندى كتب:

    ربما لأن المُدن التي نبكي من أجلها هي التي تصنع من ملامحنا صورة آُخرى للموت
    و ربما الطُرقات التي تحملنا إلى لقاء أحدهم هي ذاتها من تكسر أقدامنا !

    الكثير من الذاكرة تجعل المرء يتقيأ وجعاً
    حفظك المولى وقلمك

  4. CareLess كتب:

    كلمات \thedream
    شكرا لك ، نورتِ

    رقة الندى
    حقيقة أن المدن ترينا الوجه الأولي للموت، الذي يعيش في المدينة لايستنكر وجه الموت حين يأتيه.

    ولك بالمثل .. شكرا لك

  5. Alia Hassan كتب:

    أقراءك فلا أعرف كيف أكتب !
    لا أجدني إلا أنصت لـ نغمات حروفك المنسابه كـ سيمفونيه مُبتكره
    تعجز أصباعي مع هكذا لغه وإبتكار
    ولا أملك إلا أن أقرأ أكثر

    مشبب | تمنياتي لك بـ التوفيق

    :)

  6. CareLess كتب:

    Alia Hassan
    وأمنايتي لك بالمثل
    شكراً لك .. غمرتني بكرم زيارتك .. وانصاتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s