أُنس المتشابهين

-1-
الطفلة التي كبرت بشكل أسرع من المتوقع، الحلوة التي اتسع جمالها حتى ماعادت قادرة على إخفاءه مهما بالغت في تحجبها. المرحة التي زالت عنها مسحة الفرح فجأة حتى ليقسم من يراها أنها لم تبتسم يوماً. المركونة في زاوية المبنى الصامت، تصرخ أنيناً فلايسمعها أحد. تموت ببطء شديد ولكن أحداً لم يهتم حتى ولو بتلقينها الشهادة على مهل

الطفلة التي كانت تبدأ العد بـ 1…2…4…5…6 كبرت وهي لاتنطق الرقم ثلاثة، الطفلة الأعجوبة التي كرهت الرقم ثلاثة عن غير قصد، وبلا سبب. تدّعي أمها أنها مازالت تحبها، إخوتها يشهدون لها بكل الأخلاق الفاضلة، أما والدها الذي مات وهي طفلة فقد كان يسميها تفاحة قلبه، ولكن قلبه توقف عن النبض مبكراً وانهار بتوقفه السقف الذي يحميها من التلف، فأصابها الضمور

مالت وقد أينع حزنها، رقدت على جنبها المجروح، وأخذت تفكر في غدها، غدها الذي لاتعرف بمقاييسها المحدودة كيف يكون جميلاً لو أرادت، كيف يكون أقل بؤساً لو أراد من يهتم بها.

يقول الطبيب أنها مصابة بمرض غريب، مرض يفقدها القدرة على التواصل مع الناس بالشكل المطلوب ويجعلها تتصرف تصرفات غير مفهومة في بعض الأحيان، وتشكل خطورة إلى حد ما على من حولها. يقول الممرض لزميله بهمسٍ مسموع أنها مجنونة. أما أنا فأقول أنها فتنة.

أما أنا فمازلت أحبها. أتوق ليوم يجمعني وضيمها. لا أهتم بالتقارير المرصوفة بعناية في أدراج الأطباء والممرضين، ولاتعني لي شيئاً نظرات العابرين بشزر وازدراء، لن أهتم يوماً بكوني سعيد أم تعيس، أو بكوني أمثّل الحكاية المتكاملة لرجل يحب ويود ويعيش حياتة مع فتاته المنتقاة بنموذجٍ مرسومٍ على أدمغة المتشابهين. كل مايهمني هو أن أعيش الحياة التي أريد بالشكل الذي يرضيني نقصه، ويشبعني تلف أطرافه، ويجعلني أنام ليلاً وليس في ذمتي مثقال ذرة من نفاق، أو مثقال حبة من تبعية

-2-
أمشي وحيداً بجوار الجدار المكسر، أركل ما أجد في طريقي، تارة أوجع ما أركله وتارة توجعني صلابته، ولا أهتم. أواصل مسيراً لا نهاية له، وأفكر في كل الأشياء المحتملة فلا أجد مايشي بفرح. كيف يمكنني مواساة شخص مجروح وأنا أمامه مفتوق الجروح؟ كيف يمكنني الحديث عن الفرح القادم وشظاياي موزعة على طول ناظريه؟!

أيا تائهة الخطوة ليتني كنت دليلاً يصدف أن يدلك على طريق تحبينه. ياموجوعة القلب ليت لي قلباً سليماً فأهبه لك. يابهية التوجّع ليت لي حياة أقلّ تراكماً فأهبك ترتيباً جليلاً تستحقينه..

الليل لايهمه عدد الساهرين المحزونين، المرض لايهتم بإحصائيات يومية محددة لعدد الموجوعين وتصنيف أوجاعهم. والموت لايهتم إن كان سيقبض في لحظة واحدة ألف ظالم أو سيقبض عابداً واحداً في محرابه. لذا أرجوك يامن يحاول مواساتي توقف عن فعل ذلك بطريقتك العلمية، توقف عن سرد حكايات وتجارب الآخرين، لأني لا أفهم إلا ضيمي، ولا أخاف إلا موتاً لايليق، وفراقاً صارخاً لامقدمة له، ولانتائج مرضية لنهايته

الحنين يصيّر الليل عاماً كاملاً، يمدده حتى لكأنك تشاهد توالي الليالي والأيام، يموت ناس ويعيش ناس، تُحكى حكايات وتنطفئ أنوار. الحنين يصيّر الليل حياة كاملة بتفاصيل دقيقة، ثم يرمي بك في نهايته مشدوهاً لاتعرف هل عشت هذا العام يفرحٍ كاذب، أم فارقته بحزن حقيقي. تقف تائهاً على باب الفجر، لا أنت عشت نصف سعادتك الأولى بومض الذكريات ولا أنت هنئت بنصف السعادة الأخرى بأملٍ وترقب.. تنام وفي رأسك عشرات الأسئلة، وليل الحنين لايجيد إلا التشتيت، لن تجد عنده إجابة واحدة ولو مصادفة.

الجرح الذي توقف عن النزف متأخراً، مرت أعراضه وكأنه لم يشق جسدي ويشوهه، أما الجرح الذي لم ينزف منه قطرة دم فقد كاد يفتك بي.

-3-
أحببت حياتي بك. إنني أشرب الماء مرتوياً بنقاءك، أتنفس الهواء منتعشاً بحياتي المفترضة معك. أمشي في الأسواق بمعيتك تأملاً، أحادث الناس قبل أن أنزوي لأفكر فيك بتلذذ المدمنين. وأنام قرير العين بعد أن تبكي عيني الصادقة حياة هنيئة كان يمكن أن أعيشها معك. إن حزني عليك هو زادي الذي أتزود به لأهنأ بالحياة. حزني عليك بعضه ضعف وبعضه إدعاء مقدرة، فيه شيء من الحسرة وشيء من العجز الإنساني الممقوت، فيه شيء من الأنانية التي تُفتت الضمير وأشياء من الرضا بالقدر، فيه شيء من التكدر وشيء من الأمل. وهو -على كل حال- مقدس كله، حيّ، وصادق

أياجامعة الأشياء الجميلة أنا السلة التي تحوي أجمل مافيك. ياوردة عطرة الرائحة أنا لك بستاناً تعيشين فيه دورة حياة طبيعية، أيا إنسانة لاتتوقف عن زرع الأمل أنا لك دنيا تنعمين بفتنتها وزينتها. توقفي عن التفكير باستخدام عقولهم كاملة البرود، واستخدمي تفكيرك الناقص جمالاً، البديع لطفاً، وأنا سأتوقف عن الإدعاء وسأمارس جنوني كما هو، ليس أكثر بفكرة، ولا أقلّ بتصرفٍ عابر

لو أننا ننشز عن الطابور الطويل الذي يقف فيه ملايين الأدعياء، نهرب إلى اليمين جنوناً أو إلى اليسار تطرفاً.. نتصرف مرة كأطفال مشاغبين، ومرة كلصوصٍ مطلوبين، ونتصرف يوماً كشيوخٍ متشائمين، ونعود للطابور يوماً من باب التغيير لا أكثر. لو أننا نتوقف عن كوننا صادقين جداً وأنقياء جداً وطيبين جداً ورحماء جداً وواقعيين جداً وأصحاء جداً. الحياة ليست لعبة كاملة النقاط تتنافس وجارك على المركز الأول، والحب ليس شهادة علمية يتوجب أن تحقق الحد الأدنى من العلامات لتتجاوز معياراً بعينه..

لن تموت بالضرورة لو خسف بنصف مدينتك. كما يمكنك أن تعيش بعينٍ واحدة ويمكنك أن تمشي ويدك مبتورة. يمكن أن تحب رغم أن صاحبك غاضب جداً منك، ويمكنك أيضاً أن تغيضه انتقاما لنفسك دون أن يؤثر ذلك على المسيرة المقدسة لحبكم الناقص. النقص لايجعل الأمور سيئة بالضرورة، ولايجعل الحكايات المرويّة باهتةً ومملة

-4-
هل تفكرين فيّ الآن؟ هل تشتبك الأفكار في مخيلتك؟ ثم كيف أصير إذا ارتبكت في داخلك الأفكار؟ هل أكون كائناً حسناً أم شخصية مكروهة؟ هل أكون سيداً لقلبك أم عنصراً منسياً في زاوية مهملة؟! هل أكون حياً سعيداً بقربك كما يجب أم مطروداً منفياً ميتاً كما أخشى؟ هل يكتشف الأطباء شيئاً من ذلك أم يقتصر علمهم على مايريدون قوله فقط؟.. ثم كيف أصير في أوقات صفاءك؟!.. هل يبيّن لك جنونك المزعوم شيئاً مما يحدث لي أم أنك تنظرين لي بذات العين التي يستخدمونها؟ هل أنا الوحيد الذي يشاهد الدنيا من هذه الزاوية أم أنك تشاطريني جنوناً لايعرفون لذته؟! لو أن الأسئلة تتوقف عن الانهمار، لو أن بعض الإجابات تتسرب إليّ ولو لم تكن صحيحة بالضرورة. احتاج لراحةٍ مؤقتة، مللت دور الصامد دوماً في وجه الخوف، أكيد أن الإنهيار القادم ليس أسوأ الأقدار التي أنتظرها

في كل يوم أتقرب بتلصص الممنوعين إلى حيث يمكنني رؤيتك، وأمرّ بإدعاء المتمارضين إلى حيث أشم عبيرك. وأقدِم بشجاعة المنتحرين لأقترب منك فيمنعني القادرون. يشدون وثاقي ليجعلوا مني رهينة يعلقوا عليها فشلهم، ويرسمون حيرتهم عليّ على شكل عقوبات مرتبة.

حين تخلى عنك كل الأصحاء لم يقف بجوارك إلا مجنوناً يشبهك، رجلاً تلبّس طفولتك حتى ألِفها، تهاوى عناده حتى اختفى، غيّر نظامه تماماً وصار يعيش بنقصٍ لذيذ، وبعيوبٍ ظاهرةٍ لايسوءه كثرتها. بفضلك عاش حياة بديعة التفرد، لم يعد يردد الأرقام ببلادة، ولم يعد يكرر الحياة كما يعيشها معظم الناس. بفضلك شدوا وثاقه أكثر من مرة، قبل أن يرصفوا تقاريره الطبية بجوار تقاريرك، مكتوبة بلغة يصدقها كل الناس. صار ينام ليلاً على الجنب الذي يوجعه، ويقف نهاراً بشموخ شجرة يابسة. تصافقت المسلّمات في دماغه، صار يشم رائحتك فلاترتبط بشيء يهمه ويسمع اسمك فلا يتثير فيه أي حنين أو ذكرى مهمة، صار يرى وجهك في بعض الأحيان فلا تُرجع له الذاكرة وجهاً يشبهه أبداً، وكأنه لم يحبه يوماً، وكأنه لم يعقد حياته كلها بلمحة عابرة كالتي تحدث الآن. بفضلك صارت الأفكار تشتبك في مخيلته فلايخرج منها بشيء له معنى. ينظر من النافذة مشدوهاً ويعد المباني المجاورة بمعادلة صار يحفظها جيداً، ويعلم يقيناً أنها لاتخطئ: 1…2…4…5…6

Advertisements
قياسي

6 thoughts on “أُنس المتشابهين

  1. صديقك كتب:

    تملك حرفاً يجعل الجميع يلتفّ حولك أو ينتظرك كانتظار الأطفال لحكايا الجدات ، تملك ما يعلمون انّهم سيشعرون بالرضا بعد قراءته ، حرفاً يشعرهم بالحميميّة التي يحتاجون إليها أكثر .

    حرفك عميق كما أنت في قلوبنا .

    وأحبك

  2. يفكّر القارئ هنا لو أنه يخلع قلبه قبل أن يقرأ، يخفف عنه ما سيصله. .
    الذي يحصل إن القراءة هنا تصل للروح فكيف نخلعها؟
    .
    .

    مدونتك من هدايا تويتر الجميلة يا مشبب.

  3. CareLess كتب:

    أهلاً بصديقي الذي سرتني رؤية حروفه هنا
    تعليقك ذكرني باللقاء الأول بيننا، وسعدت بك بذات المقدار..

    ولك عندي مثل حبك لو تدري ..

  4. CareLess كتب:

    أهلاً هيفاء..
    شرفتني زيارتك جداً ،
    أتمنى لو أنني أقدر في المستقبل على كتابة شيء لايفزع قلب مؤمن ولا روحه..

    أشكرك على لطفك، والشكر موصول لتويتر

  5. Alia Hassan كتب:

    هُناك الكثيرون مَن لايَحسِبون لـِ غد
    وعلى منوال ذلك | يخسرون من تلونت حياتهم بهم
    ويخسرون ذواتهم

    فـ تعود الحياه
    باهِته
    مُبهمه

    مؤلمه تلك الخاتمه يا مشبب !

  6. CareLess كتب:

    Alia Hassan
    النهايات دائماً مؤلمة..متى كانت آخر مرة سمعت بنهاية سعيدة؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s