صديق لليلة واحدة

” لا تنتظرني. وحين تضع رأسك على الوسادة هذه الليلة أريدك أن تبكي بمرارة مرة واحدة فقط، ثم حاول نسياني، ستجد نفسك في الصباح قد نسيتني للأبد”

– 1 –

كان صباح اليوم غريباً ياصديقي. الطائر الذي أعجبني تغريده بالأمس بدا صوته مخنوقاً. والشجرة التي كانت خضراء مورقة سقط عنها لونها واكتست جفافاً، أما الفرحة الصغيرة التي كنت أنتظر أن تكبر، الفرحة التي لم أحفل بمثلها منذ مدة فقد اختفت.. اختفت تماماً يا صديقي وحلت مكانها مرارة حارقة. هل تهمك بقية الحكاية؟ ستنصت لحديث صديقك الجريح؟ حسناً.. أنا موجوع. أتظاهر بالفرح حيناً وأحياناً أتظاهر بحزنٍ أقل من حزني كي لا أشيخ مبكراً. تتراكم الأوجاع، قلبي أشبه بخزنة بخيل، وأنا أتجاهل تضخمها وكأنني ذاك البخيل، وسأظلّ أتجاهله مادام في القلب متسع

توقف عن التظاهر بأنك تهتمّ.. أنا لا أحدثك لأني سأرتاح إن فعلت أو لأني أحب أن تعرف، وأعرف أنك لاتنصت لأنك مهتم أو مشفق. أنا أقول الحكاية فقط لأنها يجب أن تقال.. بعض الحكايات من الظلم أن تبقى حبيسة أدمغة أصحابها.. يجب أن تخرج ولو من باب واحد.. ولو لم تنتشر أبعد من ذلك. انصت لي ياصديقي، أعلم أن حديثي لايغري ملولاً مثلك ولكن الليل لاينقضي إن طال صمت الساهرين

حين قرأت رسالتها الأخيرة ظننت أنني أحلم. تعرف كيف تخرج تلك الضحكة الهازئة، يطلقها المرء حين يقرأ شيئاً صادماً كهذا. يتظاهر في البداية أنها خدعة ويحاول ألا يظهر صدمته. قبل أن يكرر كلمة “لا” عشرات المرات بشكل متصاعد، ثم يلحن لاءاته ويغنيها من شدة الفجيعة، يرفع الايقاع حيناً ويخفضه حيناً قبل أن يرتمي على الأرض حائراً ويبدأ في جمع خيوط القصة، يأمل أن يكون هناك خطأ ما.. يأمل أن الأمر ليس كارثياً كما تصوره أول مرة. ولكنه -للأسف- يصل للنتيجة التي استنتجها أول مرة، الأمر كارثي

ولأني متأكد من إيمانها العميق بقدرة الرسائل على إيصال مافي النفس، ولأني أعلم يقيناً أن الرسالة تخفي أضعاف ماتُظهر كلماتها، قررت تجاوز الصدمة الأولى وتنفيذ مافيها حرفياً. وضعت رأسي على الوسادة، بكيت بمرارة لمرة واحدة فقط ثم شرعت أدرب نفسي على نسيانها، استمر الأمر حتى ساعات الفجر الأولى. حين أفقت في اليوم التالي تفاجأت بالنتيجة، كان رأسي متضخماً، عيناي قد تغير لونهما، وقلبي قد انشرخ. كانت ذكية جداً، توقعت أني سأنفذ مافي الرسالة بإخلاص، ولكنها لم تقدر النتيجة بدقة، لم يحدث ماذكرت في رسالتها. لايمكن أن أنساها بهذه السرعة.

هذه الليلة ليست إلا جزءً من السلسلة. كأن الليل نسي أنني حزنت ليلة البارحة فأعاد عليّ ذات الحزن بذات الترتيب. جمع لي أسوأ الأفكار، ثم أعاد لي سلسلة أوجاعي القديمة، وخيباتي المتراكمة، قبل أن يذكرني بيأسي.. ينظمه بأجود لحن ممكن، لأجد نفسي أغنّيه من جديد، وأرقص موجوعاً من جديد. أخشى على نفسي من تنهيدة تشبه تنهيدة الفجر الأخيرة

تذكر أني لم أخبرك عن قصتنا شيئاً غير نهايتها الموجعة، لن تعرف أبداً كم كنا سعداء. ليس فقط لأنك لاتريد أن تعرف، ولكني -لسبب أجهله- لن أقول، نحن جميعاً مولعون بالنهايات، ربما لأننا نؤمن أن السعادة يجب أن تكون أبدية، وأي شيء دون ذلك لايحتسب.

– 2 –
ياراحلة.. خذي من يأسي مايقتل أعداءك واتركي لي بعضه. خذي من حزني مايكسر الصخر في طريقك واتركي لي بعضه.. خذي حبي ليضيء لك حياتك ولاتتركي لي منه شيئاً. الحزن على الراحلين حب جديد. واليأس منهم صبابة تفطر قلوب الصابرين.

استذكرت حديثك في ليلة صخبنا المجنون، حين قلتِ: سأترك لك حرية كتابة كلماتك الأخيرة على جدار رحيلنا، اكتب مابدا لك، سأقرأ بعد عام من الأن كل شيء، اكتب شيئا يذكرني بصدقك.. اكتب شيئا يجعلني أدعو لك، أو ألوم نفسي أو أتمنى أماني مستحيلة التحقق في حينها. المهم أن تكتب شيئاً، لاتترك الجدار فارغاً، حتى لو تكيل لي الشتائم، لا بأس.. أنا أحب شتائمك.

ولكنك -ياعاشقة المصادفات المرسومة- لم تكتبي لي شيئاً يذكر في ذات الجدار.. لا شيء يذكرني بصدقك، أو يجعلني أدعو لك، أو أتمنى أمنيات مستحيلة، ولم تكتبي حتى شتيمة. فقط طلبتِ مني أن لا أنتظرك وأن أحاول نسيانك، وكأن الراحلين حين يطلبون منا نسيانهم يمنّون علينا أن فرغوا ذاكرتنا من ذكرهم. طلب النسيان هو أسوأ مايمكن أن يطلبه منك راحل ما.

كان يمكن أن نفترق قبل عدة أشهر، كان يمكن أن يستمر شجارنا الذي حدث قبل عامين ليتنهي الأمر حينها، وكان يمكن ألا نلتقي من الأساس. ولأن الاحتمالات القاسية غالباً تتقدم الأحداث، كان رحيلك في تلك الليلة بهذه الطريقة موجعاً جداً، كان أشد الاحتمالات فجيعة على الإطلاق. أعلم أنك مازلتِ صغيرة على الوجع وأنني كبرت على الحب، أعلم أني تجاوزتُ المرحلة وأن العمر مازال أمامك لحياة أكثر صخباً. وإذا تجاوزتُ التفكير في حرقتي فإنني بالتأكيد أجدك محقة في تصرفك، لايجب أن تستعجل فتاة مثلك أوجاعاً لاتحتملها.. تستحقين الفرح، تستحقين اللحظات الجميلة، وأنا لا يمكنني التطلع طمعاً لأكثر مما جادت به علي الدنيا منك.

– 3 –
الكتابة لاتخلو من التهور. شعرت بذلك غير مرة.. يبدأ الأمر ببطء متوجس، ثم يتسارع بتردد قبل أن تزداد السرعة وتفقد السيطرة شيئاً فشيئاً.. تجد نفسك وكأنك تركض في منحدر هاوٍ لاتعرف نهايته.. لايمكنك التحكم في سرعته ويستحيل حينها التوقف، تعجز عن وضع نقطة نهاية السطر.. لترتطم أخيراً بأجسام وأحداث صلبة وموجعة.

يحدث أن أكتب عشرين قصيدة في ليلة واحدة. ويحدث أن تعجزني عشرين ليلة عن كتابة قصيدة واحدة. يمكنني المكوث وعلى لساني ألف إجابة غير مقنعة، ويمكن أن أرحل وفي صدري ألف سؤال حارق وفي فمي ماء. قد يظن من لا يعرفني أني مجنون لأنني أكتب كثيراً، ويمكن أن يكون متأكداً من أنني عبقري لأنني كنت صامتا في لحظة مصادفة عابرة. لستُ حكيماً ولم أجرب الحياة كثيراً ولكنني متأكد من شيء واحد فيما يخص الأصدقاء: لا أحد منهم يلوح لك مودعاً.. أبداً

إذا أردت أن تختبر قدرتك على المضي في أمر ما، إذا أردت أن تعرف مدى أهميته.. فاسأل نفسك بتجرد: كم صديقاً ستفقد إن فعلت؟ كم مقرباً منك يمكن أن يبتعد إذا أقدمت على هذا الأمر؟.. فقد الأصدقاء ليس مسلياٌ أبداً.. لاتجربه مادمت تستطيع ألا تفعل، ولكن إذا تصادمت أمامك الخيارات فلابد أن تقتحم هذا الصدام، أن تُخرج من الحطام أقلهُ تضرراً، فتعيد إصلاحه من جديد. الحياة ليست كاملة كما تعلم، وكما تعلم.. الأصدقاء لن يتوقعوا منك كل هذا الكمال

في المرة الأولى لن تجد مرارة تذكر، ولكن حين تكرر المغامرة، وتقدم على أمور كثيرة صادمة ومستفزة، ستفقد أصدقاء كثر.. سيرهقك الأمر قليلاً وستخسر أكثر مما كنت تتوقع. صحيح أن الصديق الحقيقي لايتركك لأنك اخترت طريقاً وجدت نفسك مضطراً إليه بعد حيرتك في المفترق.. ولكن قل لي بالله عليك.. ما احتمال أن تجد صديقاً حقيقياً في حياتك القصيرة؟
لماذا يهمك الأمر على كل حال؟ إلى متى ستترك حياتك رهن أحكام الراحلين؟ الأصدقاء عموماً راحلون من نوع خاص، وخصوصيتهم تكمن في أنهم يقتربون كثيراً وأن مكوثهم -إلى حد ما- يستمر أطول من غيرهم، لاشيء يميزهم أكثر من ذلك.. وأنت كصديق -بطبيعة الحال- لن تخرج من هذا الحكم، وأنا أيضاً

أنا المصلوب على باب الراحلين مودعاُ، أقضي عمري ألوح للرائحين، وابتسم للغادين موقناً أن مكوثهم لن يطول. مللت الحديث عن الوحدة وأنا مجتمع بهم، وأرهقني التفكير في اجتماعهم حين أكون وحيداً.. سئمت رؤية كل واحد منهم يعيش حياته بنية حياة أخرى.. الكذب بنية التجمل، الحزن بنية التفاخر، الضعف بنية الخديعة، المدح بنية الشتيمة، والبكاء بنوايا كثيرة ليس بينها أبداً صدق التوجع. أقف مع عشرات الممثلين الهزليين، يتكلمون بجدية مفتعلة، ويتصارعون كصغار القطط، أتربص كأمهر السارقين لأقتنص أصدق اللحظات، يخونني حظي فأبوء بأكذبها.. أكمل المسلسل الساخر بابتساماتٍ لا أعنيها وكلماتٍ لا أنهي نطقها حتى أشتم غبائي، وأندب شجاعتي. أحاول يائساً أن تراجع عن أسوأ ماتظهرني عليه.. أنسحب أخيراً وفي القلب نكتة لاتلتئم

اكتب أضعاف ما أتحدث، وأمحو أغلبه، الجزء الذي أمحوه ربما يكون أهم وأصدق، أنت لن تفهمني على كل حال. حتى الأصدقاء الذين كتبت لهم كل هذه السنين لن يفهموني أبداً، ليس لأني لم أكن صادقاً كل الوقت، وليس لأني غامض أو عصي على الفهم، ولكن لأن الأمور لا تكون أبداً كما يُفهم بظاهرها، ولأن الأشخاص كذلك لن يستمروا كل الوقت بالصورة التي أُخذت عنهم أول مرة، ولأن أحداً لن يهتم بنحت الصورة وتشذيبها ليحصل على ما أنت عليه نقياً صافياً دون أن يخدشك

كلما تخلى عنك صديق تأكد أنك في الطريق الصحيح. كلما تغير عليك شخص مقرب تأكد أنه هو الذي انحرف عن المسار وأنك مازلت تتقدم بشكل جيد، وكلما صارحك شخص بسرد عيوبك ونقائصك فكن فخوراً بارتفاعك درجة جديدة للأعلى. حتى أنا لاتثق بقربي ثقة تضر بك أو تجعلني مسؤلاً تجاهك، لست صديقك كل العمر. أنا صديق مؤقت، وأنت لست هنا إلى الأبد.. لاتهتم كثيراً بما أقول وأنا لن أعتد بانصاتك.

تذكر أني لم أبكِ إلا مرة واحدة. وأني حاولت نسيانها بالفعل.. صحيح أني أحببتها، ولكنني نفذت مافي رسالتها، ما اكتشفته مؤخراً أني كنت طوال تلك المدة موضوعاً تحت اختبار، وأني سقطت سقوطاً مدوياً، كانت رسالتها الأخيرة تعني -بأسلوب لطيف- أنك لست جيداً بما فيه الكفاية.. وفي ذات الرسالة دليل فشلي الذي سأعرفه فيما بعد، كانت تعلم أني سأنفذ الوصية مختاراً حتى لو توجعت، في حين أنه لم يجدر بي فعل ذلك. كانت ذكية جداً، تعلم أني أحببتها بصدق، ولكن ليس بدرجة صدقٍ كافية تجبرها على البقاء. كانت عبقرية تلك الرسالة، كانت تلك الفتاة مجنونة

Advertisements
قياسي

20 thoughts on “صديق لليلة واحدة

  1. فقد الأصدقاء ليس مسلياٌ أبداً.. كتب:

    لا أعرف من الكُتاب مثلك يا مشبب ،
    من يجعل للكلمات إيقاع يُحدث ذات الأثر عند كل قراءة.

    أنت كاتب أنيق وجميل جداً ، أتمنى لك التوفيق في كتابك الجديد الذي نتوق لرؤيته بحجم توقك إليه : )

  2. CareLess كتب:

    أهلا (فقد الأصدقاء….) ..
    أعتز بشهادتك ، وأشكر لك لطفك وإخباري برأيك فيما أكتب

    و سيكون لي الشرف لو أهديتك نسخة من الكتاب على ألا يكون الاهداء موجه لـ ( فقد الأصدقاء…. )

  3. د.فواز الَحْصينَان..
    أنا الذي أشكرك، وأظنك تعلم حجم امتناني بمتابعتك وحديثك الطيب عني

    شكراً ياكريم

  4. mala كتب:

    قرأتها اكثر من عشر مرات
    في كل مره اقراها اتامل حروفها كأول مره
    منذ شهور و هذه الصفحه لا تبارح مفضلتي
    ابدعت ابدعت في صياغة الحروف و الافكار
    منذ سنين و انا لا افضل وجود الصديق المقرب
    الاصدقاء كلما زادت قرابتهم للنفس زاد الم رحيلهم
    تشاركني ي مشبب في نقطة واحده
    الايمان بالرحيل
    لا احد باق و تتعدد الاسباب و الفراق واحد
     

  5. malak كتب:

    قرأتها اكثر من عشر مرات
    في كل مره اقراها اتامل حروفها كأول مره
    منذ شهور و هذه الصفحه لا تبارح مفضلتي
    ابدعت ابدعت في صياغة الحروف و الافكار
    منذ سنين و انا لا افضل وجود الصديق المقرب
    الاصدقاء كلما زادت قرابتهم للنفس زاد الم رحيلهم
    تشاركني ي مشبب في نقطة واحده
    الايمان بالرحيل
    لا احد باق و تتعدد الاسباب و الفراق واحد
     

  6. لو أقسّم لك أني حفظتُ هذا النص من كثر قراءته أستُصدِق ؟
    -تقتلني كمية المشاعر التي يحملّها كمية الإحساس التي تنقلُني لعيش كل حرفٍ كتب .
    ممتنين يا مشبب لكلِ حرّف كُتِب هنا .

  7. Alan0oud
    أنا الممتن لقراءتك ومتابعتك
    لولا الأوفياء أمثالك لما كان لمثلي أن يستمر

    تحيتي

  8. ajyal كتب:

    أقسم لكَ بأنكَ لستَ بكاتب َ عادي
    بل تخطيت تلك المرحله بسبع درجات وأكثر ..
    (جميله حدّ البكاء )
    و بعض من كتاباتكَ أحفظها وكأنها كُتبت لي .!

  9. imosab كتب:

    – 2 –
    ياراحلة..
    خذي من يأسي مايقتل أعداءك واتركي لي بعضه..
    خذي من حزني مايكسر الصخر في طريقك واتركي لي بعضه..
    خذي حبي ليضيء لك حياتك ولاتتركي لي منه شيئاً..

    الحزن على الراحلين حب جديد ،واليأس منهم صبابة تفطر قلوب الصابرين.

    * لحظة دعآء من القلب للراحله .. بالحياه المجيدة السعيدة الدائمة *

  10. هند كتب:

    – فيما يخص الأصدقاء : لا أحد منهم يلوح لك مودّعًا .. أبدا –
    – الصديق الحقيقي لا يتركك –
    – يحدث أن أكتب عشرين قصيدة في ليلة واحدة ! و يحدث أن تعجزني عشرين ليلة عن كتابة قصيدة واحدة –

    ……
    كُتّابًا كهذا الإبداع نتمنى .
    زادك الله من واسع فضله .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s