لولا الأمل

 

– الشيخ الفلسطيني في المخيم لازال يحتفظ بمفتاح بيته في حيفا، بيته الذي يوقن أنهم قد هدموه، لم يكن المفتاح خاصاً لبيته فقط، كان مفتاحاً لفلسطين.

– الفتاة التي كانت تتفاخر بغضب أمها منها حين قصت شعرها الأسود الطويل، وتتفاخر أكثر بوقفة والدها معها وتأييده لفكرتها، بعد سنوات ليست طويلة كان زوجها يبتسم بجوارها في المستشفى بعد أن بدأت العلاج الكيماوي، تحاول تسليته بمزحة يكررها كل من يمر بنفس حالتها: ( شكلي أحلى بدون شعر صح؟ ).

– المرأة التي ينهرها ابنها في مكان عام، تمشي خلفه، يستعجلها بصوته الهادر ومشيته الكريهة، وهي تسارع خطاها كي لاتغضبه أكثر وبصوتها المجروح تتمتم: (يارب تهديه وتطمن قلبه).

– الشيخ الذي يحاول تعلم الكتابة على هذه الآلة، الآلة التي طالما كرهها ولعنها لشدة انشغال أبناءه بها عنه، يبتسم منتشياً حين ينجح في اختبار بسيط قبل أن يتمالك نفسه، يعدل جلسته، ويلعن الآلة من جديد.

– الشاب الذي دهسته السنين، كبر أسرع مما توقع، لم يصبح معلماً كما افترض ولا طبيباً كما تمنى والداه، يجري اتصالاً ليهنئ زميل الثانوية بزواجه واتصالاً آخر ليهنئ صديقه بوظيفته الجديدة قبل أن يبتسم لزبون متجهم: (صندوق الطماطم بعشرين ريال، وين سيارتك ياعمّ؟).

– الفتاة التي بُترت يداها في حادث مروري، حين اصطفت مع زميلاتها وبدأن في التصفيق لمشهد عابر، ابتسمت، وصفقت بمرفقيها.

– الحزين الذي بكى حتى انتهى ليله، غسل وجهه، واستعد لأيام لن تكون – على أيّ حال- أسوأ من ليلته تلك.

– الشاب الذي قتلوا والده وإخوته، هدموا بيته، هشموا مستقبله، استعملوا معه كل مايمكن أن يكسره، حيّدوا كل من كان يمكن أن ينصره، ثم هو يخرج بمحاذاة أشباهه ليردد: (ما إلنا غيرك، يا الله).

– الطفل الذي مرض والده، يراه أشبه بجثة لايتحرك ولايرد على نداءه وأسئلته الكثيرة، يلتفت لأمه وفي حلقه عبرة ويسألها معترضاً: (طيب مين بيودينا الملاهي؟).

– المرأة التي سجن زوجها سجناً غير محدود المدة، في كل يوم تمني نفسها بعودته، يذبل أملها في عودته فتستجمع قصص الأمل، المعجزات، والنهايات الغريبة لينتعش الأمل من جديد. تعد أبناءها أن أباهم سيعود قريباً، ذلك الوعد ليس إلا عهداً تقطعه على نفسها أنها لن تيأس.

– الرجل الذي تزوجت ابنته حديثاً من شخص لايحبه، لكنه لم يجد فيه مايعيبه أو يبرر رفضه، نزل عند رغبتها في الزواج منه، ودعها وهو يستعيد شريط حياتها، ويستشرف مستقبلها الذي لم يكن مطمئناً له.

– الرجل الذي يتضور أبناؤه أمامه أمامه من شدة الجوع، تبكي زوجته، ويسمع صوت بكاء زوجة جاره جوعاً وقهراً، يستجمع إيمانه الذي ضعف ثم يقسم على ربه إلا رزقه رزقاً يسد جوع هؤلاء الفراخ الباكية، قبل أن يطرق الباب عابر يبشرهم بمرور سيارة يشم على إثرها رائحة طعام…

– الكهل الآسيوي الذي وصل إلى مدينة جدة، بأوراق غير كاملة وبلا تصريح للحج، كانت المرة الأولى التي يغادر فيها قريته المنسية وكانت بالنسبة له رحلة حياة او موت. بعد طابور طويل وممل يقف أمام موظف الجوازات الذي يحاول إفهامه أن أوراقه غير مكتملة وأنه لايمكن أن يسمح له بالعبور. يحتار الكهل ويلتفت عن يمينه ويساره وهو لايفهم لماذا هو بالذات لم يختم أوراقه ويمررها مثل غيره. يحاول أن يجد الكلمات باللغة العربية فلاترجع له الذاكرة بشيء يفيد، ينتهي به الأمر إلى ترديد مايحسنه بلغة مكسرة: مكة.. حج.. الله أكبر.. مكة.. حج…..

– الشاب الذي تعرض وأخاه لحادث مروري، دخل في غيبوبة طويلة، كلما أفاق منها سأل مرافقيه وزواره: أين أخي؟ لماذا لايزورني معكم؟ يلتفت كل منهم للآخر ويخذلهم عدم اتفاقهم، يرد أحدهم مستعجلا: هو في الغرفة المجاورة، ويرد الآخر: هو في البيت ولكن لايستطيع المجيئ. يستحلفهم أن يصدقوه ويحلفون انهم لصادقون، يعود لغيبوبته وهو موقن أنهم يكذبون، وأن أخاه ليس بخير.

قياسي

5 thoughts on “لولا الأمل

  1. سنين كتب:

    ليست رائعة ؛ قلوبنا لم تعتد تحتمل احزاننا ؛ اشعر بأنني فراشة تحوم لتدرك مصدر النور لتسقط في النار !

    انهكت قلوبنا :'(

  2. جُـد علينا بأكثـر , فحتى وأن بات الحزن يقتلنا , نحنُ لم نزل نحبُ القراءة عنه , تروقنا فكرة ان أحداً ما لامسَ أفئدتنا وكتَب .
    أبعد الله عنك حزن الآخرة يا رائع .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s