لو كان للموت إخوة أصغر

(قصة قصيرة)

كان الفصل الدراسي في المدرسة النموذجية الثانوية للبنات مليئاً بروائح العطور الشذية، وروائح الكبر النتنة. كل طالبات الصف كنّ يبتسمن بتكلف ماعدا نجلاء، كانت الوحيدة التي تبتسم بصدق، ربما لأنها أكثرهن إجادة لتمثيل دور يشبه أدوارهن. كانت متمكنة جدا حتى ليخيل لمن يراها أنها سعيدة.

نجلاء كانت وحيدة والديها، يعمل والدها حسن في إحدى المؤسسات الحكومية بوظيفة يتقاضى منها إهانةً كل يوم ومئات الريالات نهاية كل شهر، وكان مريضاً، وتعمل والدتها في المنزل، تكنس فقرهم وترتب خيباتهم حتى يعودون إليها عند الظهيرة، تغذيهم بأمل لم يصغر طول السنين رغم مايتعرض له من هجوم ممنهج، وكانت كثيرة البكاء.

كان اليوم مشمسا بلطف على غير العادة، وكان الهدوء يملأ المكان. دخلت المعلمة وككل يوم تحاول أن تبدأ اليوم الدراسي بشيء مختلف، قررت أن تحفز طالباتها بالأسئلة العامة.

كانت المعلمة قد استنفذت أسئلتها التي تظن أنها مهمة للطالبات وشرعت تسألهن أسئلة سخيفة ولا إجابات صحيحة لها، حتى انتهت إلى سؤال أثار موجة من الضحك والاستغراب من جميع الطالبات، وكانت قد وجهته للطالبة ذات الرائحة العطرة أمامها: هل يمكنك تخيل أشكال وأسماء إخوة الطالبة الجالسة بجوارك؟

ترددت الطالبة مبتسمة ثم أجابت.. أتخيل أن لها ثلاث أخوات.. سوسن وغادة وممممم ونوف.. ضحكن من أعماقهن على هذا الارتجال وكانت ضحكة فاتن الأبرز قوة واستمراراً.. انتقلت المعلمة مباشرة للطالبة التي تليها.. قالت أتخيل أن الطالبة التي بجواري لها عشرة اخوان.. كلهم صبيان.. أسمائهم عبدالله وعمر وعلي وعثمان وعمرو وعبدالرحمن ومعاوية ويزيد وعبدالملك والحجاج بن يوسف الثقفي.. كاد أن يغمى على فاتن من شدة الضحك.. ولم تهدأ.. كانت تمسك بطنها من شدة الضحك، وكادت تسقط مبالغة من على كرسيها.

فاتن كانت كما يطلقن عليها ضحكة المدرسة، معروفة بضحكتها المميزة، وهي سريعة الضحك، يمكن أن تغرق في نوبة ضحك لأي سبب ويحدث أن يصل صوت ضحكتها لغرفة الادارة وهذا مايسبب لها المتاعب دائماً

كانت الأسئلة تدور من حول نجلاء وهي تتحاشاها خشية ارتباك الاجابات. كلما أتى سؤال من البعيد خفضت رأسها.. ثم تعد الطالبات اللائي يفصلنها عن قدوم السؤال لتعرف كم بقي لها من الوقت قبل أن تضطر لتأليف كلماتٍ لاتحضرها الآن، ولن تحضرها

أعجبت المعلمة بفكرة الابتكار في هذه اللعبة، أعجبت بخفة دم الطالبات وقررت أن توسع دائرة اللعبة قليلا. سألتهن: ماذا لو كان للمدرسة إخوة صغار، أو للمنزل، أو لدولة سويسرا، أو لشركة ارامكو؟

اختلفت إجابات الطالبات.. كان المكان يزداد صخباً، والأسئلة تزداد ابتكاراً وجرأة. لاتكاد المعلمة تطلق السؤال حتى تنهمر الاجابات.. كانت اللعبة تزاداد خطورة مع كل سؤال ولكن المعلمة لم تتوقف.. التقطت انفاسها بعد ضحكة طويلة ثم قالت.. حسناً.. ماذا لو كان للموت إخوة أصغر؟

سكت الجميع.. أتت اجابات غير ملفتة من هنا وهناك.. قبل أن يأتي صوت من أخر الفصل، بحدته وهدوءه: لو كان للموت إخوة أصغر، لكنت أعرف ملامحهم جيداً.. كانت نجلاء واقفة.. مبتسمة.. ومتأكدة وهي تواجه المعلمة.. انتبهت لها المعلمة وهي تبتسم تمهيداً لضحكة تطلقها إن كانت الاجابة مضحكة، ولكنها فكرت، هذا الصوت الصارم لم تسمعه في حفلة الضحك الصاخبة ويظهر عليه الجدية، وهذا ماجعلها تجفل، ثم تنصت لنجلاء وهي تكمل حديثها: لو كان للموت إخوة أصغر لعرفتهم ثلاثتهم: مرض أبي، بكاء أمي الذي لاينقطع، والفقر الذي يرينا الذل والهوان في كل يوم.

اكملت نجلاء جملتها، بلعت عبرتها ثم جلست، كأنها انتهت من مشهد تمثيلي جاد. لم تكن المعلمة جاهزة لمثل هذه الإجابة ولم تتصور أبداً أن يواجه سؤالها بإجابة جادة وصادمة بهذا الشكل. استمر الوجوم وكأنه بقية اليوم، انطلق جرس نهاية الفترة. استجمعت المعلمة صدمتها وخرجت، سكت الجميع وكأن كل طالبة خرجت من عالم الضحك والصخب ودخلت بخيالها لعالم نجلاء وحياتها.. ساد صمت طويل لم يقطعه إلا شهقات فاتن- الملقبة بضحكة المدرسة- وقد كانت مستغرقة في نوبة بكاء.

———————–

* العنوان مقتبس من جملة سابقة لكاتب القصة: لو كان للموت إخوة أصغر لكانت أسماؤهم كالتالي-بدُون ترتيب-: الفقر، الحزن، المرض، قهر الرجال.. وفراقك

Advertisements
قياسي

9 thoughts on “لو كان للموت إخوة أصغر

  1. عنزي تحت المطر كتب:

    مشبب .. أشكر زمآني لأنني أعاصر جيلك ..

    ليست كل الكتابات مثل كتابتك .. تملك بِحرفة قلمك وبسعة فكرك .. وبتصوير المواقف بحزنها وفرحها ونظرات تعجبها

    وأجمل مافيك .. أنك تكتب على جدار الصمت .. ببساطتك ..

  2. يآه , أضطر كل نهايةٍ سطّر لأن استوقف نفسي وأتسائل ماعساها ان تكون النهاية -في كل مرة اقرأ النص – ولا أخفيك ان قرأته اكثر من مرة في أوقاتٍ متفرقة ولكن النتيجة واحدة .

    شكراً لأنك تكتُب الفقراء وأوجاعهم وتكون في تذكرٍ مستمرٍ لهم , صدقني هذا وحدهُ كفيلٌ بإسعادهم ()*

    ممتنين لحرّفك .. وفقك الله .

  3. Rathath ALyahya كتب:

    ما يميز القصة هذه الصيحة العميقة التي لا تدري من أين تنبعث.
    وﻷني أستطيع تخيّل الوجوه والروائح والأمكنة كان الوجع مضاعفًا. وكانت نجلاء أكثر ألمًا بنبرة صوتها
    الفكرة مُذهلة ، أهنئك . .

  4. قارئة لغريب كتب:

    جمييييييييل ماتكتب ،،هذه القصه تدافعت لها عبراتي
    أشكركك وأنا ممتنه لأني وآخيراً قرأت لكاتب حقيقي .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s