الجار المشؤوم

– قصة قصيرة –

ثم جاء اليوم المهم، اليوم الكبير، اليوم الذي سيغير بقية حياته، بعد سنة من طرده من وظيفته السابقة، واستراحته من العمل بما فيه الكفاية، قرر أن يبدأ حياته من جديد، أن يبحث عن ذاته بوظيفة جديدة، تنتظره اليوم مقابلة مهمة على ضوءها سيتحدد قبوله في هذه الوظيفة أم لا.

حلق باهتمام، لبس أجمل مالديه، وتعطر بأفضل عطوره. أخذ رأي زوجته أكثر من مرة منتشياً، لم تبالغ في مدحه ولكنها قالت شيئاً يرضيه، خرج فرأى أطفاله يملأون البيت صخباً، أهتمّ لأن أحداً لم يشعر بأهمية هذا اليوم بالنسبة له ويشجعه بالشكل المطلوب، هو بالنسبة لهم يوم عادي لا شيء يميزه. ابتسم ابتسامة متوترة، قرر أن يتجاوز حساسيته المفرطة وقبّل من استطاع الإمساك به من أطفاله ثم غادر مزهواً بأمله المتعاظم.

إلتقط الصحيفة من تحت الباب، قرأ عناوينها بلا اهتمام، فتح الباب فرأى جاره عابراً، انتظر تحيته ليردها، كان متأهباً لرد التحية، ولكن الجار تجاهله، عبر الشارع كأن لم يره. كانت هذه إشارة سيئة، لم يكن متشائماً أو متطيراً لكنه لايستطيع إخفاء خوفه من مثل هذه المؤشرات في بداية اليوم.

في طريقه لمقر المقابلة كان الطريق مزدحماً أكثر من العادة، كان الوقت يمشي ببطء، كانت المدينة مختلفة تماماً وكأنه يعيش يومه الأول فيها، يحاول إلتقاط كل شيء يراه ويحتفظ به في ذاكرته توثيقاً لهذا اليوم. ألوان السياراة الغريبة، أسماء المحلات التجارية، وأعمال الصيانة في كل شارع يمر به. الذاكرة المتوترة تحتفظ بأدق التفاصيل.

دخل المبنى، بتعثر الخطوات الأولى، تذكر عثرات العشرينات في بداية حياته الوظيفية، البحث عن لقمة العيش، عن موقع له في هذا العالم، طلب منه موظف الاستقبال الجلوس في الصالة والانتظار حتى يأخذ الإذن بدخوله، ابتسم وفعل ماطلب منه، هو يعرف هذه الإجراءات ولايضايقه الانتظار أو يوتره كما كان في السابق، تصرف بخبرته وحكمته، فهو يعرف كيف تسير الأمور. بالنسبة لرجل مثله وفي مثل هذه المواقف يبقى في القلب شيء. تنغص عليه فكرة أنه بعد هذا العمر وهذه الخبرة الطويلة سيجلس من جديد أمام شخص ليقيّمه هل يصلح للوظيفة المتقدم لها أم لا، لبس قبعة المتواضع أخيراً وطرد الأفكار التي لا داعي لها ولن تساعده في مهمته. يعلم جيداً أنها مثل بقية الأفكار المتعلقة بالكرامة تبقى كالنار تحت الرماد، تنتظر موقفاً عابراً لتحترق من جديد ولكنه قرر أن هذا لن يكون الموقف، سيدفنها لموعد أخر أقل أهمية من هذا.

نظر إلى الجدران، تذكر حين كان في عمر العشرين،  لما تقدم لوظيفته الأولى رأى مثل هذا الجدار، تذكر كيف كان يراه عظيماً والآن يراه شيئاً عادياً لايثير إعجابه. لفتت انتباهه أشجار الزينة، ضحك في داخله لأنه في مقابلته الأولى حين كان في العشرين كان يظن أن أشجار الزينة طبيعية، هو الآن يعلم أنها بلاستيكية مزينة. نظر لموظف الاستقبال وتذكر كيف كان يظن أن موظفي الاستقبال مرتاحين جداً وفاعلين جداً في مواقعهم، وهو الآن يعلم أنهم مثل غيرهم، محدودي الصلاحيات.. وغالباً غير مرتاحين.

طلب منه موظف الاستقبال الدخول لمقابلة المسؤول عن التوظيف الذي بدوره طلب منه الجلوس وشرع يسأله أسئلة متوقعة يجيب عنها بكل ثقة وإقتدار، انتهى الموظف من تقليب أوراق خبراته وشهاداته الكثيرة، بسط يديه عليها وقال وهو ينظر له مبتسماً: أظن أن هذا كل شيء ياسيدي، أرجو أن تنتظر في الخارج دقائق معدودة وسأشعرك بقبولك من عدمه. ابتسم.. وخرج ليجلس في صالة الانتظار إياها. كان مرتاحاً جداً فقد سار الأمر تماماً حسب المتوقع، كل شيء يحدث بسلاسة وكأنه هو من يرتب للأمور حسب مشيئته، لم يخرج شيء من دائرة توقعاته إلا شيئاً واحداً غير مؤثر.. جاره الذي لم يسلم عليه في الصباح، وقد أربكه للحظات تذكره للموقف

بعد دقائق، خرج الموظف من مكتبه، صافحه متوتراً وقد ارتسمت على شفاهه ابتسامة متكلفة: سيرتك الذاتية رائعة سيدي وكذلك خبراتك وشهادات التزكية ولكن يؤسفني أنك لن تحصل على هذه الوظيفة، وأعتذر أيضاً عن ذكرالأسباب، هذه سياسية المؤسسة.. ثم تركه بين ركام آماله المحطمة وعاد إلى مكتبه.

في طريق العودة للمنزل، كان شيء باهت ومأساوي ولكنه مألوف، ألوان السيارات، أسماء المحلات التجارية، وأعمال الصيانة في كل شارع يمر به. يمرر ناظريه على الأشياء وهو لايكاد يفهم ترتيب وجودها أو حتى أهميتها، ذاكرته لن تحتفظ بشيء وهو في هذه الحالة. استقبلته زوجته عند الباب وسألته بلهفة: كيف سارت الأمور؟! قال بعد أن شتم جاره. سنبيع المنزل، لن أمضي بقية حياتي بجوار هذا المشؤوم

قياسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s