خلـود

(١)

رجعت إلى المنزل بعد يوم طويل، وضعت عن ظهري ثقله. كوّمته مع أوجاع العمر في زاوية منزلي المتهالك، ثم جلست قرب النافذة -كما اعتدت أن أفعل- لأغسل عن روحي ما نشب بها من غثاء البشر وأحقادي عليهم. أكلت كسرة خبز يابسة، شربت كوباً من الشاي، قرأت قصيدة ناقصة.. ثم انزلقت في سريري خفيفاً كريشة.

فزعت من نومي بعد ساعتين أو ثلاث، كان كابوسا مرعبا قد زارني، رأيت أني نسيتك، رأيت أني لم أعد قادرا على حمل همومي وأوجاع العمر، رأيت أني لم أعد قادرا على قراءة القصائد، رأيتني -بعيد عنك- هشا ذابلا رمادي اللون.

بعد كل هذه السنين يأتيني زائر في المنام يخبرني أني سأنساك، والله عجب. أنا الذي أسقي ذكراك في قلبي كمزارع ماهر يتعهد غرسه كل يوم، وهو خبير بما يمكن أن يؤذيه وما يمكن أن يساعد على نموه. أنا الذي أوزع يومي ما بين الفرح بأني تقاطعت معك في رحلة العمر القصيرة وبين الحزن لأن هذا التقاطع لم يطل كما توقعت. أنا الذي أردد اسمك كقصيدة، أحكي حكايتنا كقصة، وأسرد حربي لأجلك كملحمة مقدسة.. ثم يأتيني زائر في المنام يخبرني أني سأنساك!

أضحك هازئاً من حلمي، أشفق على نفسي من هذا الفزع الذي يزورني من حين لآخر، أحاول تهدئة نفسي ولكن القلب لا يهدأ. تنتابني رجفة متواردة حتى تشرق الشمس. لم أكن بردانا ولكن في الصدر ما لا يحتمل، أنفث ما استطعت منه بالقصائد، بالكتابة، وبإطالة التفكر.. ويبقى الكثير.

(٢)

الأحاديث تجر بعضها، ولكن معك أنت بالذات الأمر مختلف، فالأحاديث تتزاحم، تفقد الترتيب والانتظام، تتراكم أمام عيني، تتقافز كصغار محرومين، تتنافس على أن تكون الحاضرة في لقاءنا المقدس. كل قصة تريد أن تنال السبق، وكأن العمر لا يتسع لأكثر من حكاية واحدة، وكأننا لن نكون معاً بعد أن ينفض مجلسنا.

كل قصة، كل قصيدة، كل شخصية، وكل تلميحة.. تأخذ الأمر بجدية.
تكون مسألة حياة أو موت. مسألة خلود من عدمه، وفرصة العمر التي لن تتكرر.

الأحاديث السياسية تظن أن لها الحق بحكم أنها تلامس الهمّ الجمعي للناس ومستقبلهم، ولكن أحاديث الشعر والأدب تظن أن الحق لها بحكم أن المجلس تحيطه المودة والهدوء، لتأتي من بعيد مشاغبة القصص اليومية المتداولة فتفند الموقف موقنة أن لها الحق في أن نتداولها لما تحتويه من التبسط والفكاهة، ويزداد الأمر حماساً بقدوم عِبر التاريخ والفلسفة وقصص الأولين، ساخرة من البقية بفوقية واضحة. وأنا أمام هذا التنافس الشريف تقتلني الحيرة، الوقت لا يسعفني لاختيار أكثر من حكاية.. وعفوية اللقاء لا تحتمل أن أطيل التفكر في أي مجال يكون الحديث. السعادة مضمونة في الجلوس معك منذ البداية، والحيرة مضمونة فلا شيء يرضيني معك غير كل التوسّع، كل الأحاديث، كل العمر.

الأحاديث دائماً تغير مصائرنا. من المؤسف أن الخلود لن يكون إلا لحكاياتٍ بعينها. أذكرها بعد رحيلك، أشذب أطرافها كما تمنيت أن تكون. موقناً أني لابد سأندم وأتمنى لو عاد بي الزمن فأختار حكاية أخرى.

الندم الصغير بعد انطفاء الأيام الجميلة، حديث النفس.. لو كان حديثي أقل حدة، أو أكثر حماساً. لو كان تعبيري ألطف عبارة، أو أكثر تبسطاً. لو أنني كنت هادئاً قبل بدء الحديث وفكرت في العواقب لربما كان وقعه أفضل، لو أن حكاية غير تلك الحكاية تقدمت أمامي حين تقافزت الأحاديث واخترتها لتخلد في ذاكرة العمر الجميل، لكان الأمر مختلفاً، ولتغيرت الذكريات.

(٣)

يا حلوة قبل أن ألقاها، وحلوة وقت لقاءنا، وحلوة بعد ذلك. يا رقة الحدائق وانسياب أفكار المتفقين. سبحان الذي خلقك بكل تلك السهولة حتى ظننت أنني أملكك أبد الدهر، ثم صيرك صعبة مستحيلة المنال فكأننا لم نلتقِ أبداً. سبحان الذي قربك حتى ما ظننت أن نفترق ثم جعل النأي بيننا فلا يبقى لي منك إلا ذكرك في قلبي، القصائد الطويلة التي أنت عنوانها وموضوعها، ودعواتي التي لا تنقطع لك.

في أحاديث المتوادين تنتصر دائماً الأحاديث الكاذبة، المتفائلة جداً، التي تزين مجالسهم بالصفاء، وتعدهم بمستقبل جميل، قبل أن لا يكون لهم منها إلا الذكريات. ولعل ما يهوّن الأمر عليهم هو علمهم المسبق أنهم تواطئوا معها منذ البداية، سمحوا لها دون غيرها أن تقفز قبل غيرها وتكون الحاضرة في جلساتهم، الخالدة في ذكرياتهم.

أي حكايتنا نالت الخلود في ذاكرتك؟ أي صورة لي؟ أي غضب؟ أي فرح؟.. عشت عمري كله معك وأنا مهتمّ بالشخص الذي سأكونه بعد فراقنا في ذاكرتك. أي رجل أكون؟ وأي صفة تصفينني بها في اللحظة الأولى لتذكري. من اللحظة الأولى أهمني الأمر. من اللقاء الأول حرصت على أن يكون هذا الشخص جميلا في عينك، كريما معك، وألا يؤذيك أبدا. هذا الحرص النبيل تغتاله لحظاتنا العفوية وجنوننا الذي يعجبك فيخرج عن السيطرة.. وهنا تكمن المخاطرة الجميلة.

أما أنا فلم أنساك ولن أفعل، مازلت أستعيد ذكرى حكاياتنا الخالدة، الكاذبة تفاؤلاً، الصادقة مودة.  أعيد تشكيلها كل ليلة، أقتات على أجمل ما تظهر عليه، ويوجعني إن ظهرت على غير ما يسر. ويستفز غضبي أن يأتيني زائر في المنام يخبرني بكل بساطة أنني قد أنساك.

Advertisements
قياسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s