ترقَـب

عزيزي فلان، أعذرني فأنا لا أعرف اسمك حتى هذه اللحظة، ولكني أعرف أنك موجود وأنك ستقرأ هذه الرسالة، وأنك لن تنساها أبداً

صباح الخير. اسمعني جيداً، هناك أشياء كثيرة قد لا تهمك عني، سأخبرك بعضاً منها على عجالة، أتمنى أن يسمح وقتك بإكمال القراءة وأن يلفت الأمر انتباهك. لن تندم صدقني، هذه المعلومات البسيطة التي تظن أنها لاتهمك قد تكون في لحظة من اللحظات أهم المعلومات التي تحتاج معرفتها، ثق بي. أنا أعرج، وإذا ركضت هلعاً أتعثر، محتال ومراوغ، لا أجيد السباحة ولا الطبخ ولا إشعال النار ولا أجيد أكثر الأشياء الأساسية التي يفترض بالإنسان أن يعرفها، لا أفهم كثيراً مما يدور حولي ولا أحاول معرفتها. لم أدخل يوما مجموعة عمل أو مجموعة للقراءة أو فريقاً لممارسة أي عمل جماعي أو هواية، لم أحاول الإنضمام إلى أي مجموعة أو منظمة، لم أسافر مع مجموعة ولم أجلس في مجلس واحد أكثر من ساعة. لا أحب الإلتزام و أجد دائماً طريقة للتخلص من الإلتزامات الضرورية. لا أحب الرفقة ولا أجد الارتباط بصداقة طويلة الأمد فكرة جيدة

أمي منذ الصغر تحاول فهمي رأفة بي من عيون المستغربين وأبي يحاول أن يبعدني عن المشاكل، للأسف لم ينجحا في ذلك، لم أسلم من أعين المنتقدين وألسنتهم، ولم يسلم أحد منهم من لساني ويدي. السبب يعود في المقام الأول إلى أني مختل، وهذا سيء وأجد الاعتراف بذلك سيء أيضاً، من المشين أن تؤلم أقرب الناس إليك قاصداً وبطريقة ملتوية، أن تعرف أنهم يحتالون عليك ليساعدوك وأنت لأنك ذكي ولئيم تتغابى أمامهم وتتحايل على خططهم لتفشلها، كنت جباناً ومازلت، كنت سيئاً ومازلت كنت عصياً على الفهم ولم يتغير الأمر كثيراً. لاترتعب أرجوك، أنا أسمي الأشياء بمسمياتها، أكثر الناس مختلون ولا أحد يقول، سيسعدك أن أكون صريحا وصادقاً، الأمر في غاية الأهمية والجدية ولا مجال للكذب وتزييف الكلام

كنت أرسم رسومات على الورق لأشكال محددة ثم أحرقها، أو أكلها، أو أربطها في جسم ثقيل ثم أرمي بها من مكان مرتفع وأنتظر حتى أسمع صوت ارتطامها متلذذاً. كنت أرسم أعدائي على الورق ثم أنتقم منهم كل بما يستحقه. الرسمة الوحيدة التي لم أدمرها هي رسمة رديئة لأمي، كنت قد رسمتها بإهتمام في لحظة صفاء ورضى، لونتها، ثم وضعت لها إطاراً وعلقتها في الغرفة، أمي ارتاحت للصورة حينها، أما أبي فقد فطن للأمر مبكراً وتوجس مني، امتعض من عدم وجود رسمة له معلقة على الجدار، وحين سألني مازحاً، أجبته بسخرية واضحة: رسمت لك رسمة ثم علقتها لكنها سقطت.

أحد المعلمين قال لي مرة ستكون عبقرياً لو أنك تفكر بمنطقية وتترك عنك الهبل والمشاغبة، سيكون لك شأن إن أنت حرصت على نفسك وأعددتها إعداداً مناسباً لعمر مليء بالانجازات والنجاح، لم يعجبني أسلوب نصيحته وحقدت عليه. هذا المعلم بالذات شج رأسه بسببي، تفحمت سيارته، وفي العام التالي طلب هذا المعلم المسكين -الذي لا أعداء حقيقيين له- الإحالة للتقاعد ليتخلص من عدو لم يره ولم يواجهه يوماً، ولكنه يحاول تحطيمه.

الطبيب في مستوصف الحي قال لي مرة إنك مزعج، تتحرك كثيراً، وأسنانك تحتاج لاهتمام وأنت مهمل جداً، ثم أخذ ينظر لأبي وكأنه يطالبه بالموافقة ليكون لكلامه الصارم شرعية فألتزِم به. حدث الأمر بالفعل ولكن بعد عدة أيام وجد ابنه غارقاً في دمائه، بقي في العناية المركزة عدة أيام قبل أن يخرج، ليغادر الطبيب وابنه إلى بلدهما دون نية الرجوع

كانت حمدة ابنة جيراننا تحبني كثيراً، لم تكن فائقة الجمال، وأنا كنت بشعاً، ولكن هذا ليس مقياساً يهتم به الصغار. كانت تهتم بي بطريقة غريبة، لم أكره اهتمامها بي ولكنه كان يضايقني إذا زاد عن حده أو كثرت أسئلتها. كانت تحب كونها الوحيدة التي يمكنها الصبر على عنادي وأفكاري المجنونة، تحب حين تختبر نفسها في فهمي بطريقة معينة ثم تنجح، تفاخر بذلك أمام إخوتها وأولاد الجيران، ولكن الأمر تغير قليلاً حين تقدم بنا السن، زاد حجم التحديات بالنسبة لها وزاد حجم الضغوطات التي أرهقتني، وهذا مالم يعجبني بالطبع. حمدة لم تتزوج حتى الآن لأن وجهها صار مشوهاً، وكما تعلم.. الكبار يجعلون من الجمال مقياساً

لم أكن عدوانيا بشكل همجي، كنت أختار ضحاياي بدقة، وأختار الوقت المناسب والطريقة المناسبة لإيذائهم، عرضني أبي عدة مرات على أطباء نفسيين ولكنهم لم يخرجوا بشيء. سوى أنهم حذروه مني، وطلبوا منه أن يشعر السلطات، تحسباً لأي جريمة يمكن أن ترتكب تحت سطوة التفكير المجنون الذي يأخذني لأماكن لم يصلها أحد من قبل، رغم أنها مرتبة بشكل منطقي

لست حزيناً ولا أعد نفسي من السعداء ولكنني متصالح مع ذاتي، أفهم جيداً ما أنا مقدم على فعله ومتفهم لأي شيء قد يحدث لي بسببه. أعلم أني أبالغ في الانتقام ولكن البادئ أظلم. لم أبدأ في التعدي، ومن ظلمني أول الأمر لأنه رأى مني ضعفاً أو جهلاً هو من جعل مِن نفسه هدفاً لانتقامي. لدي قائمة بأسماء وصِفات لأشخاص سأنتفم منهم بطريقة موجعة، أتفهم دفاع الشخص عن نفسه وأتقبل فكرة أن أصاب، ولكني أستبعد ذلك، يؤسفني أني أخطط جيداً للأمر ولا أترك لأحد فرصة للنجاة، أو حتى فهم مايحدث.

عزيزي فلان.. مع حفظ الألقاب. إذا وصلت هذه الرسالة لبريدك الخاص فتأكد أن اسمك ضمن القائمة وترقَب. لايمكنك فعل شيء للحيلولة دون انتقامي، ولكن لأجعل الأمر مثيراً سأذكرك بمفاتيح للنجاة قد تساعدك.. تذكر أنني جبان مراوغ، تذكر أنني أعرج، وإذا ركضت هلعاً أتعثر

Advertisements
قياسي

10 thoughts on “ترقَـب

  1. غير معروف كتب:

    لم اجد مبرراً للشر الذي بداخله ولم كل هذة العدوانية ،، له ام تحبه واب يخاف عليه ،، واستاذ يتنبأ له بمستقبل باهر ،، وطبيب يقدم له نصيحه لمصلحته ،، وبنت الجيران تحبه ،، لماذا اذن ،،؟؟؟!!!!!

  2. محمد كتب:

    الله عليك يا مبدع ،
    مزيج رائع بين الواقع وما يدور في أذهان أكثرنا ،
    أهنيك وأرفع لك القبعة تقديراً لهذا النص الجميل

    دمت بود

  3. صفيناز كتب:

    هو متصالح مع ذاته لذلك هو انسان رائع ليس بالجبان كما يقول لانه لديه من يحبه ويخاف عليه بالتأكيد قد تكون لديه مكابرة شيئا ما كانه لا يهتم لامر احد او لشخص ما ..
    انت لست بالجبان و لكن تريد ان تحل مشكلة ما تواجهك ولا يعلم عنها غير ذاتك .. حاولت ان تجذبهم وتثير اهتمامهم بسلوكك ..
    بورك لك .. وأهنئك من الاعماق..

  4. green rose كتب:

    الكتابة هنا كانت نوعاً من الانتقام أيضاً.. انتقامٌ من الذين يستخدمون أقلامهم للحياة الحلوة فقط! ..
    هناك دوماً أشياء أفظع نتجاهلها داخلنا!
    شكراً لأنك تلطفتَ في انتقامك هذه المرة..وحذرتنا :)

  5. غير معروف كتب:

    القصه مضحكه من اول ح رف بل من العنوان …………
    اسلوب العرض سلس ومشوق لو استعمل هذا القلم بأمال والام الامه لأثر ونفع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s