لا تهمل قلبك ياجمال

١-

لم يكن جمال شخصاً سيئاً كما لا يمكن وضعه في قائمة أحسن الموظفين، كان وسطاً في كل شيء، في عمله، في هيئته، في مستواه الوظيفي وفي خلقه. يجلس في مكتبه المتواضع كل يوم، يعمل بصبر ورتابة وكأنه يخشى أن يختلف عمل اليوم عن غيره. ذات يوم وبينما هو يعمل على إنجاز مهمة روتينية إذ سقط قلبه بين يديه. حدث هذا بطريقة غير مرئية ولا محسوسة، تماماً كما لو أنها خدعة قام بها شخص ماهر في ألعاب الخفة. كان لون القلب بنياً يميل للحمرة وكان دافئاً لزجاً غير أنه لم يشعر بالتقزز وهو يمسكه. استمر ينبض كما لو أنه لم يتحرك من مكانه. أصاب جمال الهلع فزادت نبضات القلب سرعة. يحدث هذه بالطبع للمرة الأولى، يعلم يقيناً أن حدثاً مثل هذا لم يحدث من قبل وكان حائراً لا يدري مايصنع.

كان أصغر حجماً مما توقع، منفصلاً عن الشرايين، قطرات الدم المتجمعة على أطرافه تخثرت ولم تتساقط، لكنه لا يزال ينبض. تحسس صدره ولم يشعر بنبض، كان النبض الوحيد هنا هو الذي بين يديه. وقتها تأكد أن هذا الذي يحمله بين كفيه هو قلبه هو وليس لشخص آخر. أما كيف يتدفق الدم من وإلى القلب فهذا مالم يجد له تفسيراً. تجاوز فكرة أنه سيحدّث الآخرين بالأمر ولن يصدقوه، فهو خائف -بطبيعة الحال- أن يتوقف هذا القلب النابض أمامه فيموت. أصابه دوار شديد لكنه تمالك نفسه.

قرر أن يغادر المكتب. حمل قلبه بحذر وخفة، خبأه مستخدماً طرفي شماغه ومشى خارجاً. كلما لوح له أحد أو حاول مصافحته تجاوزه معتذراً بأي عذر يخلصه من حرج الموقف. حين تجاوز الباب الخارجي للمبنى بدأ بالركض، زادت نبضات القلب من جديد، ولكنه فهم أن ازدياد سرعة النبض هذه طبيعية بسبب الجهد البدنيّ فاستمر في الركض إلى سيارته، قادها حتى وصل إلى شقته. دخل المبنى مسرعاً وهو يتلفت حذر أن يلقى أحد الجيران.

٢-
وضع قلبه على الطاولة وابتعد قليلاً، جلس متفكراً في الأمر. لم يوصله عقله لأسباب ما يحدث له ولا لما يجب عليه فعله. في النهاية قرر أن لا يخبر أحداً بالأمر وأن يتعامل مع الوضع بما يقدر عليه حتى يجد تفسيراً منطقياً، وربما يجد من يشاركه الحالة.

بدأ في اختبارات بديهية لقلبه المفصول، يقيس المسافة التي يمكنه الابتعاد فيها عنه دون أن يؤثر ذلك على عمله. وضعه على الطاولة وابتعد عنه لمسافة متر، مترين، ثلاثة.. كان نبضه مستمراً كما هو، زاد تسارعه زيادة بسيطة بسبب الرهبة لكن مالبث أن عاد إلى رتمه الطبيعي. زاد المسافة مبتعداً ولم يشعر بتعب أو وخز أو أي شيء يثير قلقه، حين تأكد أن الأمر لا ضرر منه قرر أن يترك قلبه في شقته كلما خرج منها. كانت فكرته أن يزيد احتمالية نجاته من الموت في حال تعرض صدره لأي نوع من أنواع الحوادث الجسدية، ولعله أحب فكرة المغامرة مادام متأكداً -بحكم التجربة- أنها غير مميتة.

تغيرت حياة جمال بالكامل. بدا وكأنه تحول لشخص آخر. أصبح يعامل الناس بلا مبالاة، توقف عن الاهتمام بالآخرين، بل إنه صار عدوانيا وجشعاً. ينفذ الصفقات التجارية بتحايل وغش دون أن يشعر بوخز ضمير أو إحساس. كان يركل الأطفال الماشين في طريقه بلا رحمة ويشتم الكبار بلا احترام، حتى الفتاة التي طالما أحبها لم يستدع الأمر منه أكثر من نصف يوم حتى فارقها من غير شعور بالندم، غير آبه بنحيبها وتوسلاتها أن يعطيها سبباً واضحاً لقراره المفاجئ، قرر سحق كل شيء وكأن حب السنين الماضية بينهما لم يكن.

في المقابل كانت أحقاده وحسده لمن حوله قد زال. زال تماماً، والأشخاص الذين طالما كره وجودهم ولم يكلمهم من سنوات انتهت عداوته معهم فجأة وهذا ما زاد من حيرة الناس من حوله.

كان يتصرف بتعالٍ وخسة دون أن يشعر. يتصرف وكأنه بلا قلب. هو في حقيقة الأمر لا قلب له ولكن لا أحد يعلم بالأمر غيره. كان الناس يرونه شخصاً متغيراً وحسب. وهذا ماجعلهم يكرهون قربه ويتحاشون التقاطع معه في أي أمر.

٣-

تعود أن يضع قلبه في صندوق محكم الإقفال. يتعهده أحياناً دون أن يشعر بالقلق من أي شيء. الأيام أثبتت أنه لن يموت حتى لو سافر لمدينة أخرى وقلبه رابض في شقته.

في بعض الأيام كان يخرجه ليعبث به، يحاوره، أو يتحسس أطرافه بدافع الفضول. تقوده المغامرة أحياناً لأن يرمي به للسقف قبل يلتقطه ضاحكاً، أو يضعه على طرف النافذة ويمسكه في اللحظة الأخيرة قبل سقوطه. مع مرور الأيام جعله التعود يقلل من اهتمامه بهذا القلب المنفصل. صار ينام ليلاً وهو بجانبه فيسقط من طرف السرير، أو يمشي في الغرفة والقلب مرمي بإهمال على الأرض فيكاد يدوسه بقدمه، وفي أحايين كثيرة كان يخرج من المنزل دون أن يعيده للصندوق المخصص، لاشيء يدعو للقلق مادام باب الشقة مغلقاً.

في يوم من الأيام وبينما كان جمال في إحدى معاركه المصطنعة المستجدة، وكان يصرخ في وجه صديق قديم له. سقط مغشياً على الأرض. حاولوا اسعافه لكن بلا فائدة. نقلوه للمستشفى حيث أعلن الأطباء أنه قد مات لحظة سقوطه وأن سبب الوفاة هو تعرضه لنوبة قلبية. الأطباء لم يعلموا على وجه التأكيد إن كان للرجل قلب داخل تجويفه الصدري أم لا، أو أنهم علموا واختاروا ألا يدخلوا أنفسهم في متاهات علمية ليست لديهم القدرة أو الرغبة على اثباتها. أما سبب وفاته الذي لم يكتشفه أحد فهو أن كلباً قد رأى باب الشقة مفتوحاً ووجد القلب ماثلاً أمامه على الطاولة فأكله.

Advertisements
قياسي

2 thoughts on “لا تهمل قلبك ياجمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s