“قوول المغرب”

– ١ –

لا أحد يأتي إلى حارة الميادين في خميس مشيط بفريق كرة قدم ويهزمهم، لم يحدث هذا من قبل، ولن يحدث هذا في المنظور القريب. ولهذا عدة أسباب، أولها أن لديهم فريق متكامل، متفاهم، يحاول الحفاظ على سمعته. لديهم أفضل حارس مرمى في كل الحواري، لديهم صانع لعب تتسابق على ضمّه أندية الجنوب فضلا عن إشاعات بأن أندية كبرى ترسل مناديب للتوقيع معه، بل إن إشاعة ربطته بنادي الإتحاد في جدة وأنه سيلعب لهم في الموسم القادم. أما المهاجم فهو لا يمزح، لا يضيع الوقت، ولا يبقي الكرة بين قدميه أكثر مما يجب. ست إلى سبع ثوان هي كل ما يحتاجه لتكون الكرة بين يدي الحارس الغاضب بعد أن يخرجها من شباكه وهو يشتم زملاءه المدافعين.

أما نحن، فريقنا أقصد، فقد كنا مجموعة من الهواة. صحيح أن الجميع كانوا هواة، ولكن عند الإشارة للفريقين في ذات الجملة، فريقنا وفريق فريق حارة الميادين، فإنه يتوجب التأكيد على أننا هواة فعلًا. كنا نجتمع كل يوم بعد صلاة العصر ونلعب في الزرع الأعلى حيث يسمح لنا صاحبه الطيب تكرمًا بعد أن طردنا الجميع. للقرية قوانين لا تفهمها المدن. يمكن أن يكون في المدينة ملعب حواري ثابت معلوم المكان في قطعة أرض مهملة أو مؤجرة لمدة، أما القرية فلا ضمانة مؤكدة. للزراعة أولوية، ولأصحاب الحقول أحقية التصرف فيها ولا يلامون، فإذا ماقرر صاحب الأرض أن يستخدم زرعه فليس لنا خيار غير البحث عن غيره، نتنقل حاملين عوارض أهدافنا الخشبية، كرتنا التي لم تعد كروية تماما، وآمالنا المتجددة أن نعيد صناعة اللعبة من جديد.

نعيد في كل مرة تهيئة الملعب بمتعة التجربة الأولى. أعمدة خشبية غير متساوية الطول، خطوط منطقة الجزاء نرسمها بأقدامنا. الخطو بالرِجل اليسرى مع إبقاء اليمنى ملتصقة بالأرض وتسحب بشكل مستقيم، حين يكون الانحناء فاضحًا كنا نضحك ونعيد الكَرّة بعد أن نطمس الخط الأول. هكذا كان ملعب التدريب الخاص بنا، لا ترتيبات زائدة، لا طموحات، ولا نية لخوض  مباريات صغيرة فضلًا عن التفكير في اللعب مع فريق حارة الميادين. الفريق الأشهر، لم يهزمهم من هو أقوى منا وأكثر تنظيمًا. لم يكن الأمر مطروحًا من الأساس.

– ٢ –

نصحني أبي مرة بعد أن فشلت في اكمال سباق لاختراق الضاحية نصيحة رياضية، وهو الذي لم يمارس الرياضة ولا يحبها. قال لي يابني لا تقتحم مجالاً ليس لك، إن كنت لا تستطيع تحمل السباق الطويل الشاق فابحث عن سباق أقصر لتفوز به. كان يكره السباقات عمومًا لأنها تنتهي بفائزٍ واحد. لم يقتنع بفكرة المنافسات على مقعد واحد بنما يخسر البقية. كما أنه لم يكن يحب كرة القدم، لا يفهم لماذا تتحكم صافرة في فم رجل ضئيل الحجم بمجموعة من الرجال الأشداء الغاضبين ثم لا يفعلون شيئا سوى الإذعان. فكرة أن يتملقون له أو يعترضون دون أن يفكر أحدهم في تهشيم وجهه الكريه الصغير لم تكن مفهومة بالنسبة له.

في ليلة لا أزال أذكر تفاصيلها كنا جالسين على أحد الأرصفة، نسرد تواريخ لم نحضرها عن أندية مختلفة ولاعبين نخطئ في نطق أسمائهم، نتفاخر بما لا نعرفه ونتشاتم لأجل من لا يعرفنا، كنا غارقين في حوارنا الذي لا نهاية له حين أتانا الخبر الذي قلب موازيننا وحوّل ليلتنا لاجتماع طارئ. فريق الميادين يريد أن يلعب مباراة ضدنا. والسبب أن الفريق الذي يفترض أن يلاعبه في اليوم التالي قد توفي اثنين من لاعبيه بحادث مروري واعتذر بقية الفريق عن الحضور. كنا الخطة البديلة. وكان أن وافقنا على التحدي.

– ٣ –

حضرنا للموقع في وقت مبكر. كان الجو حارًا رغم أنهم قد أتموا التجهيزات اللازمة. أحضروا من يرش الملعب بالماء ليرطب المكان ويثبت التراب حين نبدأ اللعب. إلا أن ذلك لم يخفف من حرارة الأجواء ولا من ارتفاع الغبار بفعل وقع الأقدام.

تصافحنا بدون ود، وبدأت المباراة التي حفظها تاريخ المنطقة وصارت حكاية كل لسان. البداية أشبه ماتكون بمسرحية هزلية، يتبادلون النكات فيما بينهم ضاحكين بينما يتبادلون الكرة بخفة ومهارة، ونحن نركض وراءهم بجدية اليائسين وغضبهم. متجهمين لا نكاد نتبادل الحديث إلا لتبادل اللوم والشتيمة. نرتكب الأخطاء ضدهم فلا يغضبون تفضلًا، ويسجلون الأهداف علينا فلا نكترث لضعفنا أمامهم ولا غرابة. انتهى الشوط الأول بأربعة أهداف نظيفة.

في الشوط الثاني كان هناك نوع من التراخي من قبلهم، كأنهم اتفقوا على أننا لا نستحق التعب، أو أنهم فعلوا ذلك بدافع من الشفقة. أظن أن للشيخ الكبير الجالس على دكة البدلاء دور في الأمر، رأيته يحادثهم بين الشوطين ويشير بيده أن ارفقوا بهم. أما حين تجرأنا وسجلنا هدفا فقد أثارهم الأمر، وسجلوا ثلاثة أهداف في ثلاث دقائق في إشارة لا تحتاج مزيد إيضاح. كانت المباراة مملة للمتفرجين، سمعنا تعليقات غاضبة لأشخاص يسبون من دعاهم لمشاهدة هذه المباراة التي تشبه التمرين لفريق الميادين. هل تعرف معنى أن يغضب شخص لأنه ضيع وقته في مشاهدة ضعفك وقلة حيلتك؟ رأيت من فريقنا من كان يركض وهو يغالب العبرة من شدة الحزن والشعور بالخزي.

في اللحظة التي وصلنا فيها قمة الندم لأن المباراة صعبة جدًا وهم وصلوا قمة الندم لأن المباراة سهلة جدًا أتت اللحظة التي لم يتوقعها أحد.

صرخ قائد فريقهم موجها حديثه لي، متعمدا أن يسمعه الجميع

“نلعب على قوول المغرب يا شباب؟”

“نلعب على قوول المغرب” لم أتردد في الرد

لا أعلم ما كان دافعه لذلك، ربما كان الملل أو أنه قد أغضبه تراخي زملائه وعدم أخذهم اللعبة بالجدية المطلوبة. كان هو الوحيد الذي يصرخ بجدية ويهتم لتفاصيل اللعبة دون أنه يهتم لعدد الأهداف.

أصابتهم صدمة المفاجأة، يلتفتون لبعضهم البعض بتململ، ينظرون باعتراض للمدرب الجالس على الدكة والذي لم يعد بيده شيء بعد الإعلان، وينظرون إلينا بنظرة فيها نشوء حقد مفهوم قبل أن يقبلوا الأمر على مضض، ويبدأون في أخذ الأمور بجدية واضحة.

جرت العادة أن الفريق الفائز هو من يعلن التحدي، والفريق الخاسر لن يرفضه بطبيعة الحال. أما حين يعلن ويصبح الأمر مطروحا في الملعب فهذا يعني أمرين، الأول أنه لا يستطيع التراجع، والثاني أن النتيجة السابقة لا معنى لها. النتيجة الآن هي التعادل بدون أهداف ومن يسجل هدفا يكون هو الفائز. بالإضافة إلى أن الفريقين لن يغادرا الملعب حتى يُسجل هذا الهدف مهما تأخر، ولو اضطر الفريقين لتأجيل الصلاة واللعب بعد غروب الشمس وهذا مايزيد من أهمية الهدف واقتتال الفريقين لتسجيله. كان قرارا شجاعا منه أن رفع التحدي بهذه الطريقه. كان استهانة منه بفريقنا. على حد علمي لم يفعلوها من قبل، عُرف عنهم فضلا عن قوتهم أنهم يحترمون خصومهم مهما كان مستواهم.

– ٤ –

لم يطل الوقت على بداية التحدي الجديد حتى احتسب لنا الحكم ضربة حرة مباشرة خارج منطقة الجزاء. ثار الجمهور غضبًا وازداد التوتر. بل إن السكاكين والسواطير ارتفعت. كان الجمهور من أبناء الحارة، أكثر من مائتي شخص يرفعون أسلحتهم البيضاء، هدفهم التأكد من أننا يجب أن نخرج خاسرين. ما أشد شجاعة الحكم باحتسابه ذلك الخطأ، في ذلك الوقت، في ذلك المكان، وأمام هؤلاء الشياطين.

غلب علينا الخوف، اقترب مني أكثر من شخص من فريقي وهم يكررون العبارة ذاتها مابين آمر وبين من يطلبني برجاء

“حاول تضيعها، لا تسجل هذا الهدف”

وقفت أشاهد المنظر المهيب، كل العيون تتجه نحوي، مصير العالم اليوم في هذه الحلبة المشحونة مرتبطة باتجاه هذه الكرة. أنظر إليهم يشدني الخوف الطبيعي من العواقب والرغبة في الانتقام من نظرتهم الدونية لنا طوال الوقت. لو سجلت هذا الهدف فإن المباراة ستنتهي بفوزنا. لا يمكنهم التراجع عن تحدي “قوول” المغرب والعودة للنتيجة المسجلة في الواقع. لم يكن الأمر متاحا وجميع من كان في الملعب يعلم ذلك يقينًا، الانتصار سيكون مدويًا وسيخلده تاريخ المنطقة حتى لو جاء بهذه الكيفية. الأخطر من ذلك أننا لن نخرج سالمين من هذه الحارة.

ارتصف أمامي حائط الصد، حارس المرمى يصرخ ويشتمهم مطالبًا بأن يرجعوا إلي اليمين قليلًا. أخذت وقتي كاملًا لأنظر للزاوية. علمت بحسبة بسيطة أن احتمال إحراز الهدف قد ارتفع بعد أن صار مهاجمهم قصير القامة هو الواقف في أقصى يمين حائط الصد. اللاعب الواقف بجواره أطول منه وهو يغطي عن الحارس زاوية الرؤية، وقد كان ينظر لي مشفقا ومرتبكا، كان يريد أن يصرخ بي قائلا “لا تتهور” لم يكن متهورًا ليقولها لي صراحة.

كقناص ماهر، يعلم مايفعله جيدا، كتمت أنفاسي، جعلت شفتي السفلى بين أسناني لأحافظ على تركيزي، تخيلت فرحة الانتصار قبل أن تحدث، ركلت الكرة بظاهر قدمي في المكان المناسب تمامًا، ليس في الأعلى بحيث تنطلق الكرة أرضية ولا في أسفلها فترتفع عاليًا وراء الجماهير.

انطلقت مصحوبة بأمل لم يطل انتظاره. استدارت استدارة ساحرة يطرب الناظر لرؤيتها. ارتطمت بالعارضة العليا قبل أن تنزل لترتطم بالارض وترتفع متعلقة بالشبكة. كان هدفا رائعاً، لو أن أحد اللاعبين العالميين قد سجله لتم حفظه ضمن أجمل أهدافه في مقطع فيديو مع موسيقى حماسية، ولتم التصويت عليه من مدربين ولاعبين لاختياره كهدف الاسبوع أو الشهر أو حتى الموسم. ولارتصف اسمي مع جونينهو وديل بييرو وبيرلو.

لم يكن هناك احتفال، لم يهنئني أحد. تسمرنا في أماكننا واجمين. انطلق عشرات من الشبان الغاضبين يلعنون ويشتمون، كان حكم المباراة أول ضحية للموقف. رأيت الساطور يهوي على رأسه ويشجه وهو يسقط متشبثا بثوب ضاربه. التفّوا حولنا. كانت الضربات تأتي من كل مكان، غاضبين جدًا يائسين جدًا. أهينت كرامتهم على أرضهم وسط منازلهم، على مرأي ومسمع من محبيهم وكارهيهم. لم يكن بحسبانهم أن يأتي مجموعة من الهواة ليهينوهم بهذه الطريقة.

في اليوم التالي كنت على السرير الأبيض، أفكر في لحظات الهدف الذي سجلته، أعيد ركل الكرة بالطريقة ذاتها عشرات المرات في مخيلتي، لا يقطع خيالاتي الماتعة إلا زيارة الممرضة وهي تعطيني حبوبا مهدئة جديدة أو تغير كيس الدم. كان أبي حائرا فقد أعجب بشجاعتي وأشفق علي مما حدث، وفي ذات الوقت أعجب بهم لأنهم لم يذعنوا للهزيمة وإن كانوا مخطئين. ردوا اعتبارهم منا، من فريقهم المستهتر ومن صافرة ذلك الحكم الهزيل.

والآن -بعد ثلاثين سنة من تسجيلي لذلك الهدف- لا يزال يراودني احساس مبهج يوهمني بأني سجلت أجمل هدف في التاريخ. قد زال ألم الضربات التي تلقيتها، زال شعوري بالندم، زال شعوري بالشفقة على حكم المباراة وعلى زملائي في الفريق، زال شعوري برهبة الموقف حين رأيت عشرات الغاضبين يقتحمون الملعب كجيش من الثوار المقهورين. لم يبق إلا استعادتي للحظة الوجوم الأخيرة ما بين ركلي لتلك الكرة وبين تعلقها في سقف شبكة المرمى. لم أندم على أن تخليت منذ ذلك اليوم عن نصيحة والدي بأن لا أشارك في سباق أصعب من أن أنافس فيه على المركز الأول.

Advertisements
قياسي

One thought on ““قوول المغرب”

  1. hamza كتب:

    السلام عليكم أود نسخة الكترونية من كتابك “الأغبياء لايخونون” أزيد من سنتين وأنا أبحث عنه في المعارض وحتى المكتبات ولم أجده.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s