سرقة في مقبرة

خرج من المسجد بعد أن أدى صلاة الجنازة على صديقه المقرب. كان خالد أعز أصدقاءه وقد ألمه خبر موته المفاجئ. حين خرج من المسجد لم يجد نعليه. بحث كثيرًا بلا فائدة. لاحظ أن حَمَلة الجنازة قد انطلقوا بسرعة وخفة ملتزمين بحديث يحث على المسارعة في دفن الموتى، وهو كالمقروص يبحث ويقلب الأحذية.

زاد توتره وهو يوازن بين اهتمامه التافه بحذائه ورغبته الشديدة في المشاركة في كل تفاصيل تشييع صديقه المحبوب. بدت مهمته في البحث مستحيلة، الأحذية بالآلاف، معظمها باللونين الأسود والبني.

“لا فائدة من مواصلة البحث” قال لنفسه، قبل أن يغادر المكان حافيًا.

لم يتمكن من اللحاق بهم قبل أن يضعوا الجنازة في السيارة، عاد أدراجه مشيا على الأرض الرخامية لساحة المسجد الخارجية، بدا له أنه سيشم قريبا رائحة شواء تأتي من أسفل قدميه وهي تلتصق بالأرضية المشتعلة.

الطريق بين المسجد والمقبرة مزحوم كالعادة ظهر كل يوم جمعة. عشرات الجنائز في سيارات مجهزة يتبعها مئات المشيعين، كلٌ يرى أن له الحق في السبق، يتجاوزون بعضهم البعض ويتشاتمون بتفاهم يحافظ على الحد الأدنى من احترام أرواح المتوفين وأحزان أهاليهم. أما صاحبنا فقد كان في شغل عن كل ذلك بمحاولة التذكر أين وضع حذاءه قبل أن يدخل المسجد، هل وضعها في الأدراج المخصصة كما تعوّد حين يكون في مزاج يسمح له بالترتيب، أم أنه دخل المسجد على عجل ونزعها كيفما اتفق. حين تنبهه أصوات السيارات وصخب العابرين يرجع للتفكير في صديقه خالد، ويتنهد بحرقة.

كانت الشمس حارقة على عادتها في هذا الوقت من الصيف، لكن الناس لم يتعودوا على الخروج لغير الضرورة. وتشييع رجل محبوب كان أمرا لا يمكن التأخر عنه. هكذا فكر وهو يحاول طرد الفكرة التي اجتاحته فجأة بأن عدم قدومه إلى هنا كان أمرا يستحق التفكير.

ترجل من سيارته بعد أن ركنها في أقرب موقف متاح، مشى سابحًا في أمواج المشيعين الخاشعين في سكينة وترقب، يتجاوز القبور المفتوحة، وينبه الماشين وراءه كما نبهه الماشون قبله. كل شيء يبدو وكأنه تم بتنسيق وتفاهم كبيرين.

توزع الناس على قبور مفقوديهم بعد تشتت وحيرة. وحين وجد قبر صاحبه حاول الاقتراب والمشاركة فعليا في عملية الدفن لكن أقارب المتوفى ومن سبق من معارفه جعلوا الأمر أشبه بالمستحيل. ابتعد واكتفى بالمشاهدة وهو يدافع حزنه غارقاً في ذكرياتهما معا.

اجتاحته مخيلته ذكرياتهما القديمة. تذكر حين كان يسخر من اسم صديقه. خالد؛ ياله من اسم كاذب. “ستموت يومًا، لن تكون خالدًا” وكان خالد يرد عليه بجملة واحدة “هه، أنا لن أموت”. لكنه مات، مات أسرع مما توقع واكتملت السخرية.

قطرات العرق تجتاح حاجبيه، كقطرات الندى تسقط عن أوراق شجرة ثابتة. أما رقبته فقد أصبح تجفيفها بالمناديل الورقية نوع من العبث يكرره وهو يعلم ألا فائدة. تأخر الأمر كثيراً، سمع حوارا جانبيا بين رجلين بجواره أحدهما يخبر الآخر عن سر هذا التأخر. لكنه لم يتمكن من فهم ما يقولانه. قرر أن يقترب. أحضر ثلاث علب ماء ووزعها عليهما كذريعة لبدء الحديث. سأل وكأنه يلقي بالسؤال غير حريص على الإجابة، أو كأنه يدلي بتصريح لا يلزم بالضرورة أن يتلقى ردا عليه

“طوّلوا، شكل القبر ما كان جاهز… “

أجابه الرجل وكأنه يحب أن يخبر كل من يقابله بهذه المعلومة التي عرفها بسبب وجوده قبل دقائق في موقع مناسب على حافة القبر

“اللحد كان صغير، والرجال -الله يرحمه- ضخم، اضطروا يحفرون زيادة ويوسعونه”

في هذه الأثناء سمعوا صوتا جهوريا ينادي بين المتجمهرين، أن تنبهوا على ماتحملونه معكم من محافظ نقود وهواتف نقالة.

هز رأسه معترضا، كيف يمكن لأحد أن يسرق في مكان كهذا. أين حرمة الأموات؟ أين احترام حزن الحزانى والمكلومين؟ لكنه -في المقابل- فكر أيضا أنه لم يكن يحمل شيئا ذا قيمة ليتفقده أو يهتم به. كما أن هاتفه المتنقل قديم الطراز ولن يرغب عاقل في سرقته. بدا له أن هذا التنبيه لا داعي له من كل الوجوه.

شغله الأمر لدقائق. قرر أخيرا أن يتحسس جيوب ثوبه، اكتشف حينذاك أن حكمه الساخر لم يكن في محله، وأن تنبيه صاحب الصوت الجهوري له مايبرره. كانت محفظة نقوده قد سرقت، وهاتفه أيضاً. جيب ثوبه الجانبي يتدلى وكأنه لسان كلب لاهث.

الشمس تزداد قسوة وحِدة. وقد بدأ يشعر بالدوار. بدا وكأنه في نهاية حلم سيصحو منه بعد قليل، حاول التركيز بأن رش وجهه بالماء، تيقن أخيرا مما رآه، شاب صغير الجسم بين الجموع يتلفّت. رآه يقترب من رجل عجوز غافل. يدلي يده ببطء قبل أن يحرك الموسى بمهارة ويقطع جزءا من ثوب الرجل العجوز، ينجح أخيرا بخفة يد ومهارة فائقين في انتزاع محفظة يبدو أنها صيد ثمين.

كان القوم وقتها قد انتهوا من عملية الدفن، وقد ارتفع صوت والد المتوفى بالشكر لجميع من حضر، ويطلب منهم أن يسامحوا خالدا إن كان قد أخطأ في حق أحد أو ظلمه وفي ذات الوقت يعلن أن من له عنده ديناً فإنهم مستعدون للجلوس معه وحلّ كل شيء بأسرع وقت ممكن. تبقى الروح معلقة بين السماء والأرض حتى يتم تسديد حقوق الناس عليها.

كان الجمهور قد اختلط من جديد. انتهت عملية الدفن في أغلب القبور في الوقت ذاته. المشاركين في الدفن يبحثون عن الماء ليشربوا ويغسلوا أيديهم، بدأوا في الخروج ولم يكن لهم طريق لمغادرة المقبرة غير هذا. رائحة العرق تكاد تخنق الجميع ولا أحد هنا يمكن لومه، كلهم محبوسون في هذا الصندوق المفتوح حتى ينتهي الأمر.

رجع له الشعور بالدوار. تذكر أنه لم يتناول إفطاره، تمنى لو أنه أكل شيئًا قبل أن يحضر للمقبرة ليتجاوز هذا التعب والحرج. ازداد حرقة وهو يتذكر حذاءه المفقودة، كان يبحث عن شخص ليلومه على كل ماجرى له، والمرحوم خالد لن يكون هذا الشخص بكل تأكيد.

تسلل محاولا الاقتراب من السارق قبل أن يهبط عليه بمهارة وخفة، وضع كفيه بقوة وثبات على كتفي الفتى وأمسكه بشدة. وبينما هو ممسك به والمحيطين يلتفتون حائرين، عثرت قدمه على حجر وسقط، حاول جر الفتى ليسقط معه لكن الأخير تملص بمهارة وهرب.

قام بسرعة دون أن يصرخ أو يحدث أي جلبة وحاول مطاردة الفتى، رغم شكه الكبير في أنه سيلحق به لفارق العمر واللياقة ولوجود أكوام من الناس يجب عليه تجاوزهم. إلا أن ذلك لم يثنه عن مواصلة الجري. لاحظ أن أكثر من شخص بادر بالهرب في ذات اللحظة، وكأن هروب الأول إشارة ينتظرها الآخرون. ثلاث شبان صغار العمر والجسم انطلقوا في ذات اللحظة. ولأن صاحبنا قد وصل به التعب والسأم حده الأقصى فقد توقف، فكر لثوان في الموقف. وضع شماغه على وجهه ثم لحق بهم، عابرا طريق الخروج من المقبرة.

اصطف إخوة الميت لتقبل التعازي. حين لاحظ أحدهم الصديق المقرب لأخيهم المتوفى مغطيا وجهه خارجا من المقبرة وهو يهرول. ابتسم ابتسامة جافة وهو يفكر، يالهذا الصديق الوفي، لا شك أن فجيعته بأخينا أكثر من فجيعتنا، لقد انهار ولم يتمالك نفسه، لم يتمكن من الانتظار بعد الدفن ولو لدقيقة يصافحنا فيها ويقدم واجب العزاء.

Advertisements
قياسي

2 thoughts on “سرقة في مقبرة

  1. غيداء كتب:

    نهاية غير متوقعه ..
    عجبتني لان أخ المتوفي حللها بحسن ظن
    مبدع كالعادة مشبب 💙

  2. محد كان قادر يعرف إن اختفاء جزمته وأغراضه كان أهم عنده من غياب صديقه!
    لقى جزمته عالأقل؟ :(

    أنت من القليل اللي مازلت متمسكة بالقراءة لهم. فنّان. اكتب أكثر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s